( عرعر اسم قديم لمدينة حديثة !! )
عرعر هذه المدينة الحالمة في شمال مملكتنا الحبيبة والتي تعتبر بوابة الجزيرة العربية من الشمال الشرقي وهي اليوم حاضرة الحدود الشمالية ومركز إمارتها وتعتبر من أكثر مدن الشمال تطورا ونموا .
والذي يشاهد عرعر اليوم ومكانتها الإقتصادية وازدهارها لا يصدق أن عمرها لا يتجاوز الخمسين سنة ( تقل أو تزيد قليلا ) !! فهي مدينة حديثة الإنشاء وليست عريقة كعراقة بعض المدن المجاورة كالجوف وتيماء وحائل وغيرها من مدن المملكة الضاربة في التاريخ .
غير أن هذا الوصف للمدينة لا ينطبق على اسمها العريق !!!!! فكلمة عرعر الذي حملته المدينة كإسم لها لا يقل عراقة عن كثير من الأسماء في الجزيرة العربية .
إذ هو في الأصل اسم اطلق على الوادي الذي يخترق هذه المدينة وسبب هذه التسمية ربما لوجود نبات العرعر في هذا الوادي قديما .
وعرعر أو عراعر كما في بعض المصادر هو اسم موضع قديم عرفه العرب منذ الجاهلية وسكنته الكثير من القبائل العربية التي سكنت شمال الجزيرة العربية ومن أشهرهذه القبائل كلب وطي وتميم و بكر بن وائل .
وإذا عدنا إلى المصادر التاريخية فسوف نجد أن هذا الإسم ورد في أكثر من موضع ، وقد يكون في تحديد مكان هذا الإسم نوع من الإضطراب عند المؤرخين والجغرافيين ، غير أن غموض هذا الإسم وعدم معرفة البعض له في نجد تحديدا ، والتصريح بأنه في شمال الجزيرة العربية في جزء من النصوص الموثقة يؤكد أنه مكان واحد لموضع واحد وهي عرر الحالية .
ففي الأيام بين عبس وذبيان أو مايسمى بحرب داحس والغبراء نزل بنو عبس على ماء يقال له عراعر عليه حي من كلب . فاقتتلو معهم : وعراعر هي عرعر الآن لأن كلب كانت تقيم في هذه الديار قبل الإسلام .
يقول محقق كتاب أيام العرب قبل الإسلام لأبي عبيدة التيمي في الحاشية عند عراعر :
( الأصل عرعر وهو الذي أثبتناه في النقائض ، وذكر البكري في معجم ماستعجم : وكان قيس بن زهير إذ فارق قومه قد لقي في هذا الموضع كلبا فاقتتلوا قتالا شديدا ، فهو قول عنترة:
ألا هل أتاها أن يوم عراعر *** شفى سقما لو كانت النفس تشتفي . "1"
يقول ياقوت الحموي في معجم البلدان تحت اسم عرعر :"
عَرعَرُ: بالتكرير وهو شجر يقال له: الساسم ويقال: الشيزَى ويقال: هو شجر يعمل منه القطرانُ، وهو اسم موضع في شعر الأخطل وقيل: هو جبل وقال: بقُنّة عرعرا وقال المسيّب بن علَس في يوم عرعر:
خـلو سبـيل بـكرنا إن بـكرنا : يخد سنام الأكحل المتحامل
هو القيل يمشي آخذا بطن عرعر : بتجفافه كأنه في سـراول
وهذا يدلُ على أنه واد، وقال امرؤ القيس:
سما لك شوق بعدما كان أقصرا : وحلت سليمى بطن قو فعرعرا
وقال في موضع آخر :
"وقال أبو زياد: عرعر موضع ولا ندري أين هو، وفي كتاب السكوني وذكر الأبح بن مرة في خبر فقال: ضِيم من عرعر وعرعر من نعمان في بلاد هذيل، قال الابحُ بن مرَة الهذلي:
لعَمْرُك ساريَ بنَ أبي زُنَيم لأنتَ بعرعَر الثأرُ المنـيمُ
عليك بني معاوية بن صخر وأنت بعرعر وهمُ بضـيم
وأما نصر فقال: عرعر واد بنعمان قرب عرفة وأيضاً في عدة مواضع نجدية وغيرها فإنه لو كان بنجد لعرفه أبو زياد لأنها بلاده ". "2"
ويقول صاحب الروض المعطار تحت اسم عرعر :" عرعر: واد بأرض غطفان من طريق خيبر، وعرعر أيضاً قبل قو، وهو الذي ذكره امرؤ القيس في قوله:
وحلت سليمى بطنَ قوَ فعرعرا
ويقول في موضع أخر تحت اسم عراعر :" عَرَار: بالفتح وتكرير الراء وهو نبت طيب الريح. قال بعضهم:
تمتغ من شميمِ عَرارِ نجدٍ : فما بعد العشية من عرَار
وقولهم باءَت عرار بكحل وهما بقرتان فتكَتْ إحداهما بالأخرى وذاتُ عرار. واد بنجد له ذكر في شعرهم عن نصر.
عِرَارٌ : في كتاب نصر عرار بالكسر وقال: موضع في ديار باهلة من أرض اليمامة.
عُرَاعِرُ: بالضم في أوله وكسر العين الثانية وعرعُرَةُ الجبل أعلاه وعرعرة السنام غاربه والعرعرُ شجر يقال له: الساسَم ويقال له: الشيزَى، ويقال: هو الذي يُعمل منه القَطِران، وعراعر اسم. موضع في شعر الأخطل وقيل: اسم ماء ملح لبني عميرة عن صاحب التكملة وهي أرض سبخة قال:
ولا تنبت المرعى سباخُ عُرَاعِرٍ : ولو نُسلت بالماء ستة أشهـر
- نسلت- أي غسلت. وقيل عراعر ماءة مرة بعدنة في شمالي الشربة، وقال نصر: عراعر. ماء لكلب بناحية الشام". "3"
وفي يوم الشيطين الذي كان لبكر بن وائل على تميم وكانا في تنافس مستمر والأيام بينها سجال وكانت ديارهما تمتد من أواسط نجد حتى أطراف العراق قبيل الإسلام وبعده .
ففي ذلك اليوم يقول مقاس بن عمرو العائذي ، واسمه مسهر ومقاس لقب لقب به بعد يوم الشيطين :
تمنيت بكرا بالعراق مقيمة *** وأنى لنا بكر بأكناف عرعر . "4"
ويقول الشيخ حمد الجاسر رحمه الله : " عرعر : عده أبو علي الهجري من أودية كلب .
وقال الهمداني في صفة جزيرة العرب : (عرعر واد لطئ). انتهى .
والجمع بين القولين : أن طيئا المجاورة لقبيلة كلب حلت بلادها ، ومنها هذا الوادي ، بعد ضعف قبيلة كلب وانتشار فروع قبيلة طي بعد الإسلام .
وفي معجم البلدان لياقوت الحموي : ( قال المسيب بن علس في يوم عرعر:
هو القيل يمشي آخذا بطن عرعر *** بتجفافه كأنه في سراول .
وعرعر هذا من أعظم أودية شمال الجزيرة شمال الجزيرة ، وأشهرها تمتد فروعه من قرب جبال الجوف الشمالية جيلان الشويحطية وجال الأمغر ، حيث يمتد منها وادي المعتدل من أعلى روافد عرعر ، ثم يأتيه من الغرب الأقرع من شرق الحماد ، وتأتيه من الجنوب روافد أخرى ، ثم يمر بين بلدتي عرعر وبدنة ، حيث يلتقي به وادي بدنة . ويتجه صوب الشمال الشرقي ، ثم يلتقي به وادي الروثية من الجنوب . ووادي العويصي من الغرب ، ثم يمر بجديدة عرعر ، على مقربة من الحدود العراقية ، ثم ينعطف متجها صوب الشرق داخل تلك الحدود ، فيلتقي به من الجنوب أبا القور، ويتجه الوادي شرقا مسافة غير طويلة حتى ينتهى قرب منهل البريت ، حيث تبتلعه المنخفضات الرملية هناك .
وفي هذا الوادي تقع مدينة عرعر التي أنشئت إثر مد خط أنابيب النفط ، في أول النصف الثاني من القرن الرابع عشر ، وهي قاعدة إمارة الحدود الشمالية ، وهي مدينة في براح واسع من الأرض ممتدة الشوارع ، واسعتها ، كثيرة السكان، قوية الحركة، يشاهد فيها المرء مختلف الأجناس من سكان الجزيرة ، ومن أهل الشام ، ومن أهل العراق ممن يشتغل بالتجارة ، وهي في موقع هيأ لها أن تكون من المدن التجارية العظيمة ، لتوسطها بين شمال الجزيرة وشرقها ، وجوها أقرب إلى الإعتدال من أجواء وسط الجزيرة ، لوقوعها في الجهة الشمالية . ) "5" أنتهى.
رحم الله الشيخ حمد الجاسر فمع أنه زار مدينة عرعر قبل عقود من الآن إلا أنه تنبأ لها بمستقبل عمراني وتجاري كبير فكيف لو قدر له أن يراها الآن ليرى صدق قراءته لمستقبل هذه المدينة التي تعد بحق من أجمل مدن الشمال وهي لا زالت في تطور مذهل يلاحظه كل من يزور المدينة .
وفي الأدب الشعبي ورد اسم عرعر وواديها كثيرا على السنة الشعراء، من ذلك قول الشيخ الفارس ساجر الرفدي عندما ترك نجد وأقام في هذا الوادي :
والحمد لله سالم من شطنها *** ومتكيف مابين عرعر وأبا القور .
إن مدينة عرعر وما تملكه اليوم من ثقل تجاري واقتصادي وسكاني (170ألف نسمه) مثال واضح على التخطيط السليم والجهود الحثيثة التي بذلها الملك المؤسس طيب الله ثراه وأبناءه من بعده في في سبيل بناء هذا الوطن الكبير وترسيخ دعائمه وصهر مختلف تناقضاته في منظو مة واحدة تقوم على وحدة الدين واللغة وتحكيم الشريعة الغراء . ولعل مشروع توطين البادية من أعظم المشاريع التي انبرى لها الملك المؤسس طيب الله ثراه . ولا شك أن مدينة عرعر كما ذكرنا تجسد هذا النجاح الباهر . وهنالا يفوتنا أن نثمن الدور الكبير الذي قام ويقوم به أمير منطقة الحدود الشمالية سمو الأمير عبد الله بن عبد العزيز بن مساعد آل سعود حفظه الله في رعاية هذه المنطقة منذ نشأتها تقريبا ، وهو الرفيق الدائم لكل خطوات مجدها وراعي نهظتها . والذي يزور مدينة عرعر اليوم يدرك مدى تطور هذه المدينة ونموها المتواصل .
ولا زالت مدينة عرعر رغم مكانتها تنتظر من ولاة الأمر حفظهم الله ومن أميرها المزيد من المشاريع الأساسية التي لا غني لأي مدينة بحجم عرعر عنها خصوصا أنها العاصمة الإدارية للمنطقة .
ولعل أهم هذه العناصر المطلوب توفرها في عرعر كمدينة ناهظة مايلي :
1ـ جامعة علمية متكاملة تكون محط أنظار أبناء المنطقة عامة . وقد تحقق هذا الحلم بأمر من خادم الحرمين الشرفين حفظه الله .
2ـ مستشفى تخصصي متكامل يسد حاجة أبناء المنطقة كافة حسب الخطة المعلنة من معالي وزير الصحة السابق .
3ـ مدينة رياضية شاملة لكل الألعاب :
4ـ شقق مفروشه فاخرة وفنادق ذات مستوى عالي من فئة الخمس أو أربع نجوم . ومع كثرة الفنادق في المدينة الآن إلا أنها لا تصل لمستوى الطموح من حيث الأداء والنظافة . خصوصا في ظل الزيادة السكانية وزحمة الصيف .
5ـ مطاعم راقية سواء كانت للوجبات السريعة أو المطاعم المتنوعة الأخرى .
6ـ حديقة حيوانات .
7ـ مدينة ترفيهية متكاملة للعوائل .
8ـ مجمعات سكنية تجارية لذوي الدخل المحدود من المواطنين .
وآخر دعوانا إن الحمد الله رب العالمين . وما توفيقي إلا بالله .
الحواشي :
1ـ أيام العرب قبل الإسلام . أبو عبيدة التيمي .
2ـ معجم البلدان . ياقوت الحموي .
3ـ الروض المعطار في خبرالأقطار . محمد عبد المنعم الحميري
4ـ أيام العرب قبل الإسلام . أبو عبيدة التيمي .
5ـ معجم شمال الجزيرة العربية . الشيخ حمد الجاسر .
==========================
بقلم الأستاذ : محمد الرويلي
خاص لسبق حائل