نقاش ماجاء في طاش 2/3 .
حلقة الوجاهة ؛ سمو الفكرة ، وانحطاط المضمون !
في المقال السابق تعرضنا للمحة عامة عن المسلسل ، وسياسته المتجددة في ازدراء القيم والمبادئ الدينية والإجتماعية للأفراد والمؤسسات ، وفيما يلي نناقش بعض ماجاء فيه على وجه الخصوص .
فقد عرض المسلسل في إحدى حلقاته المسماة بـ " الوجاهة " ، على جزأين ظاهرة القتل وتفشيها في المجتمع السعودي ، وكنظرة أولى للفكرة نجد أنها وجيهة ، وصائبة من حيث الإختيار والتوقيت ، لما لهذه الظاهرة من تداعيات ، وأضرار على المجتمع السعودي .
ولكني فوجئت ـ كغيري ـ من محتوى هذه الحلقة ، والطريقة (العنصرية ) التي سلكها سدنة العمل في علاج هذه الظاهرة المؤلمة ، وربما الكثير من المشاهدين لم يفهم مغزى الحلقة ، هذا عدا تسطيح القضية وسردها بطريقة أبعد ماتكون عن الدراما المؤثرة ، حيث كانت الحلقتان في غاية الملل والفوضى ! .
لقد عرضت حلقة " الوجاهة " ثلاث حوادث " قتل" متباينة في المكان والدواعي والملابسات ، ولكننا نستطيع أن نلخص مكونات الحلقة بما يلي :
ـ ثنتان من جرائم القتل كانت على يد أبناء قبائل أو بادية أحدهما أسقطت على قبائل الجنوب ، والأخرى عامة ؛ بينما الجريمة الثالثة كانت في الرياض على يد رجل من الحاضرة . ! .
ـ جريمتا أبناء القبائل كانت في غاية الفظاعة والتهور، وكانت عن قصد وعزيمة وترصد ، وعبث ! .
ـ جريمة الحضري كانت خطأ ، وبدون قصد ، وكان الضحية يشكو من أمراض مزمنة وقاتلة كالقلب وغيرها ، وهي السبب في موته ! .
ـ بنظرة محايدة نجد أن الحلقة أظهرت أبناء القبائل في قمة التهور ، وهذا ليس لب القصيد ـ فهناك من ينطبق عليه ذلك ـ ، بل إن المستغرب من الحلقة أنها أظهرت أن أبناء القبائل لا يبالون بالقتل ، ولا يخشون العواقب ! والأدهى والأمر أنها أظهرت جشع أبناء القبائل ـ دون غيرهم ـ في المغالاة في الدية التي بلغت الملايين ! . كما أظهرت ـ كذبا وبهتانا ـ سهولة جمع هذه الملايين وأنها لا تشكل أي عبئ على أبناء القبيلة ! وأن شيخ القبيلة يتكفل بجزء كبير منها ، والباقي يتكفل بجمعه أبناء القبيلة ذات العدد الكبير بكل يسر وسهولة ؛ لدرجة أن ابن القبيلة الذي نجى بفعلته الأولى لا يبالي في ارتكاب جريمة أخرى ؛ لأنه يثق بسهولة دفع الدية ـ من قبل عشيرته ـ مرة ثانية وثالثة ورابعة كما أظهرت الحلقة !.
في المقابل نجد أن القاتل من " الحاضرة " كان بريئا وخائفا ، وقد وقع بدون قصد بهذه الجريمة ! . وليس هذا فقط ؛ بل إن أهل الضحية ، وهم من الحاضرة كذلك رغم فقرهم المدقع إلا أنهم لم يغالوا في الدية ، وكانوا على وشك العفو بدون مقابل ! غير أن ابنهم الفقير طمع في خمسمائة ألف ريال فقط لا غير ، وهذا منتهى طموحه ! .
وفي ماسبق من تفاصيل الحلقة ، وقبل أن أتهم أنا بالعنصرية فإني أعلق عليها بما يلي :
ـ ليس القصد أو الدافع لهذا النقد التفصيلي للحلقة هو : الدفاع عن أبناء القبائل أو العنصرية لهم ! . بل إني أنتقد على سدنة العمل عنصريتهم في علاج هذه الظاهرة ، وازدواجية المعايير ، وسوء النية في المعالجة الدرامية لهذه الظاهرة ! .
ـ كان الأولى بسدنة العمل معالجة هذه الظاهرة المستشرية في المجتمع السعودي بكل أطيافه وأقاليمه ، وأصنافه من شماله إلى جنوبه ، ومن شرقه إلى غربه ، بدون فرز عنصري أو تقسيم إقليمي . لأنها قضية تهم الوطن أجمع ، ولا تمس فئة دون الأخرى ! .
فجرائم القتل ، وما يترتب عليها من المطالبة بديات باهظة أو الإصرار على القتل ، وغياب العفو ـ لمن يستحق ـ مشكلة تؤرق أبناء البلد جميعا ، وهي ظاهرة عامة ، ومنتشرة في جميع الأوساط والفئات والمناطق !. ولا يمكن معالجة هذه الظاهرة وفق الأقاليم أو التصنيف على أساس البداوة ( القبلية) والحضارة، أو الغنى و الفقر ،أو القلة و الكثرة ، أو لون البشرة ! . وللأسف فإن المسلسل نحى هذا المنحى العنصري البغيض في المعالجة بشكل واضح ! وقد أوقع اللوم على أبناء القبائل دون غيرهم ! . سواءا في المغالاة في الديات أو الإسراف في القتل ! . ومن الطبيعي أن يكون أبناء القبائل أكثر الفئات تعرضا لهذه الظاهرة ؛ لأنهم أغلبية المجتمع السعودي !.
وليس القصد ـ أبدا ـ أن أبرئ أبناء القبائل من هذه السلبيات التي أشار إليها المسلسل ؛ بل إني أردت ـ فقط ـ أن أشير إلى أن هذه السلبيات تمتد لتشمل كل أطياف المجتمع السعودي ،وليست حكرا على أبناء القبائل ؛ كما تلمح تلك الحلقة العنصرية ! .
ـ لقد كذب المسلسل ـ كذبا صريحا ـ في تصوير سهولة جمع الدية ـ التي تبلغ الملايين ـ بالنسبة لأبناء القبائل ! . وهذا يخالف الواقع الذي نعيشه ، حيث أن هذه الديات ترهق القبيلة السعودية ـ رغم كثرتها ـ وتقض مضجع أشياخها ووجهاءها ، ولولا تدخل ولاة الأمر حفظهم الله ، والمحسنين من التجار ورجال الأعمال والأخيار والمتبرعين من عامة المجتمع ، لعظم الأمر ، ولعجزت القبيلة بأكملها عن دفع هذه الديات الباهظة ! . لأن جرائم القتل كثيرة ، ومتكررة ، وكل فترة يطلب من هؤلاء المساكين جمع دية جديدة بسبب تفشي جرائم القتل في المجتمع .
كما أن معظم أبناء القبائل هم مجرد مواطنين ذو دخل محدود ، وكثير منهم ، لا يملك وظيفة اصلا ، وبعضهم يعيش في فقر مدقع ! . فكيف يُصور هؤلاء المساكين على أنهم لا يأبهون بجمع المال ، وأنهم في ثراء ووفرة منه !. وحتى شيوخ القبيلة قد لا يكونون من أصحاب المال والثروة ! .
وفي المقابل فإن رجل أعمال واحد ثري ـ حضري أو بدوي ـ قد يملك مالا تملكه قبيلة بأسرها حتى لو بلغ أفرادها عشرات الألوف ! .
وقد تملك أسرة ـ حضرية ـ قليلة العدد من الجاه والثروة والمال مالا يملكه عشرات الآلاف من أبناء القبائل ، والعكس صحيح أيضا ؛ فقد يملك رجل ثري ـ بدوي ـ من المال مالا تملكه مئات الأسر الحضرية ! . والمسألة نسبية ، ومتفاوتة ؛ فلماذا يطرح المسلسل مثل هذه الصور الكاذبة عن المجتمع !.
ـ إن جرائم القتل كما أسلفنا ظاهرة عامة ، ومشكلة عويصة ـ تمس جميع أطياف المجتمع ، ولا فرق في انتشارها بين الحضري والقبيلي ، أو الشمالي والجنوبي أو الشرقي والغربي أو الغني والفقير أو الأسود والأبيض ! . ويجب أن يكون علاجها وطنيا شاملا ، لا عنصريا صارخا كما فعل مسلسل طاش ! .
ـ لقد تجاهل سدنة المسلسل كالعادة ، النماذج الرائعة ، والصور المشرفة لأبناء القبائل في قيم العفو والصفح بدون مقابل ، وقد قدمت مناطق المملكة أروع الأمثلة ، وتأتي مدينة حائل في مقدمة هذه المدن . ولا شك أن قيم العفو موجودة ، في جميع الأوساط ، ولكننا نركز على الأوساط القبلية لأن المسلسل أساء لها بصورة مباشرة ! .
وقد تفضل خادم الحرمين الشرفين حفظه الله ، وولي عهد الأمين في تكريم مثل هؤلاء ، وهم أهل للتكريم والرفعة والتبجيل على صنيعهم النادر .
ـ لق كنا نود من سدنة طاش ماطاش أن يبرزوا مثل هذه النماذج المشرفة ، وأن يسعوا لعرض قيم الصفح والعدل ، والتركيز عليها ، لأنها مناط النقد لهذه الظاهرة البشعة !.
وكنا ننتظر منهم أن يطالبوا بالحد من ظاهرة القتل ، واسبابه ، أو تفشي ظاهرة الديات الباهظة ، لا أن يفرزوا المجتمع ويقسمونه وفق رؤية عنصرية بغيضة ، ويوزعوا الإتهامات على فئة دون أخرى !.
وهذه ليست المرة الأولى التي ينحى فيها هذا المسلسل هذا المنحى العنصري الذي يفرز المجتمع السعودي ، ويقسمه على أساس من العنصرية البغيضة بين فئاته وأطيافه المتماسكة والمنصهرة !. وحلقة " أوباما السعودي " التي منعت تسلك هذا المسلك أيضا بصورة فجة . ولكن عدم عرضها ؛ حال دون مناقشتها في هذا الموضع .
يتبع بحول الله وقوته .
--------------------------------------------------------
بقلم الأستاذ : محمد الرويلي
خاص بسبق حائل