نصحني صاحبي ألاَّ أكتب وألاَّ أخطب !
هكذا قالها صريحة ! قلت : ولم ؟
قال : لأني أراك تكتب بدمك ودمعك , وإذا سمعتك على المنبر فأحس أن كلماتك تخرج من القلب , بل إني أراك تتكلم وتكتب عن مواضيع ذات أهمية , بل ومن عيوبك أنك صريح , ومن هذا حاله فلا يصلح أن يكون كاتباً أو خطيباً أو واعظاً في هذا الزمن – زمن المداهنة والنفاق و... - !
فازددت حيرةً وتعجباً ! وقلت : زدني بياناً وإيضاحاً ؟
فقال : إن كان الموضوع الذي ستطرحه يهم عامة الناس , فأكثر الناس لا تعمل عندهم إلا ملكات الاستقبال فقط . أما ملكات الفهم وملكات التحليل وملكات التفعيل وملكات التنفيذ فإنها معطلة . ودليل ما أقول أنك ترى أعين الناس وأنت تخطب شاخصة إليك وقد تدمع , ولكن عهدهم بما قلت في المسجد . وكذا من قرأ مقالك تأثر قليلاً ثم نسي , بل لم تحدثه نفسه أن يقدم أي عمل . بل إنك ستبتلى بأقوام حتى ملكات الاستقبال عندهم معطلة , فلا يفهمون إلا العنوان بغض النظر عن مضمونه وعناصره , ومناقشته شرعياً وعقلياً , بل ترى ردوداً بوادٍ وأنت بوادٍ آخر .
سـارت مـشـرقـة وسـرت مـغـربــاً شـتـان بـيـن مـشـرق ومـغـرب
ثم قال : وإن كان الموضوع يهم المسؤولين , فاطمئن فنحن في البلاد العربية والإسلامية لا العالم ولا الخطيب ولا الصحفي ولا الناصح ولا غيرهم يؤبه بقوله فالقرارات إما من فرد أو منه ومن يحيط به فقط من حاشيته . أما الصحافة والإعلام فلا يؤذن لأحدٍ بمقال أو كلام إلا فيما يوافق هوى المسؤول ويحقق أهدافه ! وإن تجاوز عالم أو خطيب أو صحفي أو إعلامي أو كاتب دائرة ما يراه المسؤول ويخطط له فمصيره تكميم فيه بأي وسيلة كانت رغباً أو رهباً حتى وإن كان الحق معه أبلج .
فأطرقت قليلاً وتأملت في كلام صاحبي , وتذكرت قول الشاعر :
قالوا نراك طويل الصمت قلت لهم ما طول صمتي من عيّ ولا خرس
لكنه أحمد الأشياء عاقبـــــــــــــــــة عندي وأيسره من منطق شكـــــــس
أأنشر البز فيمن ليس أعرفـــــــــــه أم أنثر الدر بين العمي في الغلـــس
فقلت وما السبيل الذي تراه في المعالجة ؟ فقال : التربية التربية . تجتهد في تربية مجموعة تتعاهدهم من الصغر فتنشئهم تنشئة صالحة , خير لك من ضياع جهدك ووقتك وإعمال قلمك فيما يضرك ولا يغير حال غيرك ( أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا )
وأما الخطابة فإن كان لا بد منها فخذ أدنى خطبة مكتوبة ولو من خطب [ المخضوب ] القديمة وألقها , ولا تتعب نفسك بإعداد الخطبة وجمعها أسبوعاً كاملاً ومن عدة مصادر .
فآمل من عقلاء وقراء هذا المقال أن يبدوا رأيهم . هل نـلزم الصمت وندع ( الجرعى ترعى ) كما تقوله العامة , أم ندافع وننافح ونبين الحق وإن لم يقبل , انطلاقا من قوله تعالى ( فذكر إنما أنت مذكر0 لست عليهم بمسيطر ) وقوله تعالى ( وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ) ؟ أنا بانتظار رأيكم . وإلى لقاء آخر . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
------------------------------------------------------
بقلم الشيخ / عيسى المبلع
3/11/1430هـ
صحيفة سبق حائل