كلنا كسعوديين ، و بأسى بالغ ؛ تابعنا تلك المأساة التي حلت بمدينة جدة الغالية على قلوبنا ، وكم تفطرت قلوبنا ، ونحن نشاهد المنظر الكارثي ، والصور الرهيبة التي نقلتها وسائل الإعلام ، وخصوصا مواقع الإنترنت ، والرسائل البريدية ، والتي كانت أكثر مصداقية وشفافية من الإعلام الرسمي الذي كان خجولا في بداية الأمر ، وهو ينقل تلك الكارثة المفجعة ! .
ولا يفوتني هنا ـ بادئ ذي بدئ ـ إلا أن أتقدم بخالص المواساة والعزاء لأنفسنا ، ولإخواننا أبناء جدة الكرام ، الذين أصابهم الضرر المباشر في هذه المأساة في أنفسهم ، وأهليهم ، وفي ممتلكاتهم ، وأسأل الله تعالى أن يأجرهم في مصيبتهم ، ويخلفهم خيرا منها ، وأن يعينهم ، ويجبر مصابهم ، ويرحم موتاهم ، وقد قدر الله ـ سبحانه وتعالى ـ وما شاء فعل ، فالحمد الله على قضائه وقدره ، وفي ذلك خير إن شاء الله من حيث لا نعلم ، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ، وقد تكون هذه المأساة مدعاة لإعادة النظر في مشاريع التصريف وغيرها من مشاكل المدينة المزمنة ، ولغيرها من مدن المملكة ، وهو ماحدث بالفعل .
لقد كنا نعتقد ـ كسعوديين ـ أن مثل هذه الكوارث ، التي تظهر فيها السيول الجارفة ،والعمائر المهدمة ، والسيارات المحطمة ، والناس الغرقى ، والشوارع المنكوبة ، بعيدة كل البعد عنا وعن بلادنا ـ حماها الله ـ ، وأن مثل هذه الكوارث لا تصيب إلا البلاد البعيدة ، في شرق العالم وغربه ! .
لقد وقعت الكارثة علينا ، وفي عقر دارنا الآمنة ، ويجب أن نفهم هذا الأمر بدون لبس أو غموض ، وقد وصل عدد الضحايا حسب الإحصاءات الرسمية ـ حتى ساعة كتابة هذا المقال ـ إلى مايقارب المائة ! . ولا شك أن هذا العدد قابل للزيادة إلى أضعاف هذا الرقم ، حسب التقديرات الغير رسمية ،والمشاهدات المباشرة للمأساة .
ولا شك أن مثل هذه الكارثة ، هي درس وعبرة لأولى الألباب والأبصار ، وفيها تذكير لنا ولجيراننا ،بأننا لسنا في منأى عن مثل هذه المصائب التي يديرها الله سبحانه على خلقه ، من المؤمنين والكافرين ، لتذكيرهم بأنه الواحد الأحد ، وأنه الخالق المدبر سبحانه ، وأنه يديل النعم والنقم على عباده ، بلاءا وامتحانا ، وعقوبة ،وزجرا ،وترهيبا وتخويفا . وتحذيرا ،وتذكيرا ! .
وليس المعني بهذه الكارثة أهل جدة فقط ؛ بل الجميع معني بها في شرق الوطن وشماله وجنوبه ووسطه ، ومن هم خارج الحدود كذلك ؛ فالجميع معني بها من حكام ومحكومين ، ظالمين ومظلومين ، فاجرين ومتقين ، إسلاميين وليبراليين ، رجالا ونساءا ، شيبا وشبانا ، أفرادا وجماعات ! .
وليس من المقبول أبدا أن يتجه البعض لتنحية التفسير الديني مطلقا لمثل هذه الكوارث ، وعزوها لقانون الطبيعة فقط ، وتنحية أي تأملات إيمانية وجدانية لها !.
ونحن أحق بهذا التفسير الديني لمثل هذا المصائب ، ونحن الأكمل والأفضل في العقيدة والإيمان !.
يقول الله جل وعلا : (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) ، ويقول ـ جل من قائل ـ أيضا : (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) ، ويقول ربنا كذلك :(وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً) ، وكذلك قوله تعالى : (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيءٍ مِنَ الْخَوِْْف وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ وَالأنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّر الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) .
وكما جاء في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرةَ وأبي سعيد الخدريّ رضي الله عنهما أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما يصيب المسلمَ من نصبٍ ولا وصَب ولا همٍّ ولا حزن ولا أذى ولا غمٍّ حتى الشوكة يُشاكها إلاّ كفَّر الله بها من خطاياه" . والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة ومتناثرة .
إن هذه الكارثة ، فرصة لنا كشعب أسلامي أصيل أن نتعلم منها معنى التعاون ، والتكاتف ، ومساعدة المنكوبين من إخواننا ، وقد سمعنا من شهود العيان ، والأخبار من هنا وهناك عن بطولات فريدة لبعض المواطنين والمقيمين في عمليات الإنقاذ ، وهو أمر يخفف من وقع المأساة بلا شك ، وهذا لايقلل من جهد رجال الدفاع المدني ، الذين يجب عليهم أن يحتسبوا عملهم ، ويضاعفوا مناوباتهم ، بدون أوامر عليا ، وأن يتيحوا المجال للمتطوعين في عمليات الإنقاذ .
وفي المقابل ؛ فقد تأسفت كثيرا لقراءتي بعض التقارير التي تفيد برصد بعض عمليات الإبتزاز ، والطمع من قبل بعض المواطنين والمقيمين للقيام بإنقاذ بعض الضحايا ، وهو أمر يدعو للخجل حقيقة ! .
كما أن هذه الكارثة توجب علينا أن نتحلى بالشفافية الكاملة ، والشجاعة في نقل الخبر بدون خجل ، وإيصال أدق التفاصيل إلى كل الناس . ومع أننا ـ قطعا ـ نؤمن بأن أقدار الله سبحانه وتعالى قادرة على أن توقع بكل منشئات وإمكانيات بني البشر مهما بلغت من قوة ومتانة ؛ إلا أن هذا لايعني أبدا أن نغض الطرف عن القصور الواضح ، والفساد الإداري الفاضح الذي يتحمل جزءا من أضرار هذه الكارثة ! . والكل مجمع على ذلك ومعترف به ؛ ولهذا يجب أن يحاسب المقصرون على ماحدث من أضرار، وخسائر بشرية ومادية ، وأن تعاد دراسة كل المشاريع التي أقيمت ، وأعلن عنها ، وأين يكمن الخلل في ذلك ؛ خاصة أن المشاكل البلدية في جدة ـ وغيرها ـ كانت موجودة ، منذ سنوات ، وفي كل سنة يعاد طرح مشكلة تصريف السيول وغيرها في وسائل الإعلام مع كل أمطار موسمية ؛ ولكن الأضرار كانت دائما قليلة مقارنة بمأساة هذا العام الحزين !.
إن الحكومة مطالبة بلا شك في متابعة كل حيثيات هذه الماساة ، ومحاسبة المقصر ،وإعادة البناء لكل ما تهدم ، وإيجاد حلول عملية لعلاج هذه المشكلة حتى لا تتكرر مستقبلا بإذن الله تعالى ، وهي مطالبة أيضا بأن تتولى دورها المهم ، في جبر خواطر الضحايا ، والمتضريين بالتعويض المادي المناسب والدقيق للجميع بدون شروط ، وبكل عدل وإنصاف ، عن طريق الجرد الموضوعي للخسائر المادية كاملة، وهذا أبسط دور يمكن أن ينتظر من ولي الأمر حفظه الله ورعاه كما عودنا في مثل هذه المناسبات الحزينة .
ملاحظة : كنت قد كتبت هذا المقال بعيد الكارثة مباشرة ، وماهي إلا أيام معدودة حتى صدر الأمر الملكي الكريم ، القاضي بتشكيل لجان للتحقيق والمتابعة الجادة لكل تبعات هذه الكارثة ومسبباتها ، والتعويض الكبير للضحايا ، وهو أمر لم يكن مستغربا من خادم الحرمين الشرفين حفظه الله ، وأبقاه ذخرا لأبناء شعبه