بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مطاوعة 2000
ظهرت في بداية الألفية الجديدة حكاية مطاوعة 2000 والهدف هو انتقاد أهل الدين والخير لأنهم من منظور من يطلقون عليهم هذا اللقب أنهم مطاوعة بالشكل فقط, وضغط الجميع على الملتحين واتهموهم بالنفاق!! مع أن المنافق هو من يبطن الكفر ويظهر الإسلام وهنا تنتفي صفة النفاق عنهم. وهناك من اتهمهم بالرياء لأنهم يظهرون أمام الناس صالحين وفي خلواتهم يكونون غير ذلك, وهؤلاء حقيقة دخلوا في علم الغيب والنوايا وأصبحوا آلهة من دون الله تعالى يدعون علم الغيب وعلم ما في القلوب!! بل منهم من يقول لماذا يخفي معصيته أمامنا؟!! وهو يطلب حين يقول ذلك ان يجاهر الناس بالمعصية وإلا فإنهم مراءون!! وهناك فئة ترى أنهم يقولون مالا يفعلون, كأن ينهون عن خلق ويأتون بمثله ويستشهدون بالبيت المشهور..
"لا تنه عن خلق وتأتي بمثله *** عار عليك إذا فعلت عظيم"
وهم حين يقولون ذلك يستشهدون بكلام البشر وينسون قول الله تعالى:
"والعصر.. إن الإنسان لفي خسر.. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات.. وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر"
وكما يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى:
(حق على متقارعي الكؤوس أن يتناصحوا)
وهو يقصد أن من يجتمعون على شرب الخمر يجب عليهم أن يتناهون عن شرب الخمر في كل مرة حتى لا يقعون في عار الذنبين.. ذنب المعصية وذنب عدم الإنكار.. لأن الإنكار دائما يرقق القلب للحق ويقربه على عكس موافقة الناس على الباطل حتى ولو لم يشاركهم إياه, فإنه يجعل القلب قاسيا كالحجر لا يلين.
وهنا محور الحديث ومربط الفرس.. فإنني آسف كثيرا لحال أهل الخير هذه الأيام فهم قليلو النصح كثيرو المجاملة منقادين خلف الحملات الإعلامية التي يقودها سفهاء المجتمع لعزلهم عن المجتمع وتحجيم وتهميش دورهم الهام في إنكار المنكر وتذكير القلوب بالحق عند الزيغ عنه.
مع أن الناس في العموم يحبون كلام الحق ويحبون أهله ويكرهون الباطل وأهله على عكس ما يصوّرهم سفهاؤنا, عندما يظهرون المجتمع بأنه يتململ من أهل الخير ونصائحهم الثقيلة على النفس!! ولكن الحقيقة عكس ذلك تماما.
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:
"حفّت الجنة بالمكاره وحفّت النار بالشهوات" أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
وقد أمر الله جبريل عليه السلام أن ينظر إلى الجنة, فلما رآها قال لله تعالى.. بعزتك ما سمع بها أحد إلا دخلها, فأمره الله تعالى أن يعود إليها مرة أخرى, فعاد فوجدها قد حفّت بالمكاره فقال: بعزتك أخشى ألا يكاد أحد أن يدخلها. ثم أمره تعالى بأن يرى النار فلما رآها قال: بعزتك ما أظن أن يسمع بها أحد ويدخلها, فأمره الله تعالى أن يعود إليها فلما رآها وقد حفّت بالشهوات. قال بعزتك أخشى ألا أن ينجو منها أحد"
أسرد لكم هذا الحديث لتعرفوا أن الدنيا ليست دار الشهوات كما يحاول البعض أن يصورها, فقد قال تعالى:
"لقد خلقنا الإنسان في كبد"
ومعنى الكبد هو الشقاء.. ولذلك لا يسلم أحد أبدا من الشقاء في الدنيا غنيا كان أو فقيرا.. شريفا كان أو وضيعا.. ومع الأسف أننا بلينا بسفهاء يريدون أن يصلوا درجة الكمال في المعاملة والشهوات والغنى والسعادة!! وكأنهم ليسوا في الدنيا التي أبسط ما يقال عنها أنها لن تكتمل, فإن الإنسان يسير في طريق مستقيم كما وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم, فإن سلم من مصيبة لم يسلم من الأخرى وإن سلم من مرض لم يسلم من الآخر, وإن سلم من امتحان لم يسلم من الآخر, ومع ذلك يحاول السفهاء أن يوهمونا أنهم سيصنعون لنا دنيا غير التي نعرفها متبعين بذلك النصارى الضالين في البحث عن الكمال الذي لن يصلوا إليه!! وكيف للضالين أن يهتدوا أو أن يهدوا إلى ما لم يصلوا إليه؟!!
كما أننا في هذا الزمان ابتلينا بأناس يعتقدون جازمين أن مالا يوافق شهواتهم ليس من الدين, وأنه تشدد ما أنزل الله به من سلطان!! وعلى العكس من ذلك.. فمن يفتيهم بفتاوى شاذة يرون أنه شيخ يفهم الدين أكثر من غيره!! ولكم في فتوى عدم تحريم بعض أنواع الغناء خير دليل.. حيث تبنى هذه الفتوى بعض السفهاء يريدون الاستماع للغناء دون تثريب ولا تأنيب, فيقولون إنه حلال بفتوى الشيخ الفلاني!! متناسين قول الرسول صلى الله عليه وسلم:
"من استمع للهو يذاب في أذنه الانك"
والانك هو الرصاص المذاب. وقد أجمع الصحابة على أن اللهو هو الغناء. وبما أنه قد نزل في سماع الغناء وعيد فهو يعد من كبائر الذنوب.
وإنني أعتب على كل مسلم تعلق بالدنيا وغرته شهواتها الباطلة الزائلة وتعلّق بها, ولكن يزيد عتبي على تهاون أهل الخير في عدم الإنكار إلا من خلال مؤسسة أو تنظيم! وكأن الدين والإنكار والنصح صاروا لا يصلحون إلا من خلال جهة رسمية! حتى أن أحدهم طلب منه صديق لي أن يلقي كلمة في المسجد, فقال لا أملك تصريح!
ويزيد عتبي على من لا ينصح إلا صديقا يعتقد جازما أنه سيتقبل منه حتى لا يسمع ما يسوءه! متناسيا أن الأنبياء دعوا قومهم بالرغم من الأذى والعداء الذي ظهر من قومهم تجاههم, فلم يثنهم ذلك عن الصدع بقول الحق.
ويزيد عتبي على من يظن أن المجتمع يكره الخير.. بل هناك من يستغرب أن يرى حليقا ينكر منكرا أو يأمر بمعروف! لقد نجح السفهاء وسقط المتاع في إقناع أهل الخير أن المجتمع يرفضهم ويميل للبهيمية وحب الشهوات المحرمة!
وأدهش أشد الدهشة وأستغرب أشد الاستغراب ممن يخاف أن ينهَ عن فعل ويجده الناس على نفس الفعل! فليس هناك من لا يعص الله تعالى, وعلى الجميع أن يعلموا أن من يقوم بذلك قد سبقه إليه موسى وإبراهيم عليهما السلام, وكلنا نعرف أن أحدهما قتل والآخر لم يقل الحقيقة في ثلاث مواقع, بالرغم من أنهما ينهيان عن ذلك الفعل ومع ذلك لم يقل الله تعالى عنهما أنهما منافقين أو ممن يرائي الناس.. بل قال تعالى:
"إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين.. ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم"
ولمن يقول لأخيه عندما ينصحه عن الانتهاء عن حرام: "افعل أنت أولا".. عليه قراءة هذا الحديث ليعلم حقيقة فعله..
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ أَحَبَّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ، وَإِنَّ أَبْغَضَ الكَلَامِ إِلَى اللهِ: أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلْرَجُلِ: اتَّقِ اللهَ، فَيَقُول: عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ".
ليكن شعار كل مسلم.. لا آبه أبدا أن أنصح عن معصية أداوم على فعلها.. فلعل الله تبارك وتعالى أن يرحمني ويغفر لي خطيئتي عندما أكون فاسدا في نفسي مصلحا لمجتمعي, آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر كما أمرني ربي.. حيث أنه لن ينفعني إلا رضى ربي ولو سخط مني قومي في دنيا الفناء فإنهم حتما سيذكرون فضلي عليهم بعد الله تعالى فيما لو جمعني الله وإياهم في جناته بسبب نصحي.
يجب أن نتناصح دائما حتى لا نكون عرضة للعذاب كما في الحديث المشهور عن بني إسرائيل.. وألا نتذمر من النصيحة أمام الناس كما يفعل البعض.. فقد كان الصحابة يتناصحون أمام الناس وينهرون بعضهم نهرا عندما يتعلق الأمر بمعصية الله وليس كما قال الشافعي بما معناه: أن النصيحة أمام الناس مسبة!!
فالصحابة أعلم بالدين من الشافعي ومن قوم هذا الزمان والذي يطلب منك الأسلوب الحسن والابتسامة العذبة وان يكون لوحده حتى يستمع إليك!! فمن كان كذلك فهو الخاسر وليس للناصح من خسارة إلا أنه أغضب متكبرا على الحق.. فراقه خير من ملازمته.. وما على الناصح إلا البلاغ المبين, والناس أحرار في أخذ النصيحة أو رفضها.. "الدين النصيحة" فلا يتردد أهل الخير في تقديمها كما أراهم الآن.. يهابون قول الحق ويجاملون أهل الباطل!
بقلم الأستاذ : محمد المسمار
خاص بسبق حائل