خلافا لما يتوقع القارئ الكريم ؛ فلست بصدد نقد الشركة السعودية للمشروبات الغازية ، بسبب ارتفاع سعر عبوة الببسي التي اعتدنا على سعرها منذ عقود .
وقد أتفق مع الرأي القائل ، بأن ارتفاع الببسي ، لا يشكل مشكلة حقيقية للمستهلك السعودي ، وقد يكون هذا في صالح أبناءنا ، وبناتنا مستقبلا ؛ للحد من إدمان المشروبات الغازية ، التي يتفق الجميع على ضررها الجسيم على صحة الأبناء والبنات ، وأبسط مضارها ؛ أنها سبب كبير لعزوف أبناءنا عن العصائر الطبيعية والألبان المفيدة بشكل أساسي لأجسام أبناءنا وبناتنا .
ولكني سأتحدث عن خيبة الأمل ، والأسى الذي شعرت به ؛ بسبب ماكشفه ارتفاع الببسي من خبايا ورزايا ! .
فالذي حدث أثناء إعلان الشركة لتسعيرة الببسي الجديدة ؛ هو باختصار فضيحة قيمية تاريخية في منظومة مجتمعنا السعودي المسلم ! .
فما أن أعلنت الشركة السعر الجديد لعبوة الببسي ؛ حتى انتخى جميع ملاك البقالات ، والتموينات ، والماركات الصغيرة والكبيرة ، في كل شارع من شوارعنا ، وفي كل مدينة من مدننا ، إلى رفع السعر مباشرة ، تضامنا مع الشركة السعودية للمشروبات الغازية ، وتأييدا لها ! .
رغم أن هذه المحلات بمختلف أشكالها وأحجامها ، ومواقعها كان لديها مخزون ـ قل أو كثر ـ قد تم شراؤه بالسعر القديم ! .
وعندما نتحدث عن هذه المحلات التي تبيع المواد الغذائية بما في ذلك المشروبات الغازية ، فإننا نتحدث عن آلاف مؤلفة منها في شوارعنا ومدننا ، وقد يكون لكل مواطن سعودي ، بقاله لكثرتها وانتشارها .
ولا شك أن ملاك هذه البقالات والتموينات ، هم في الغالب من المواطنين العاديين ، ومن الشعب السعودي ، ومن الطبقة الوسطى تحديدا ! .
وهنا مكمن العجب ، ومربط الفرس ، وخيبة الأمل ، والفجيعة الكبيرة في هذا الجشع الكبير الذي أصاب الناس !.
لقد أخطأت شركة المشروبات في إعلان ارتفاع الأسعار قبل إنزالها الأسواق ، وكان عليهم السكوت حتى تصل الكمية الجديدة لصاحبها بدون ضجيح فيعلم بارتفاع السعر ، ولكن الإعلان في الصحف ، أعطى الفرصة للجشعين في ممارسة جشعهم ! .
كما كان هذا الحدث البسيط ؛ امتحان عسير ، واختبار ، وابتلاء لفئة كبيرة من فئات الشعب السعودي المسلم ، وقد سقط فيه ـ أعني الإختبار ـ الأغلبية إلا من رحم ربي !.
فبأي حق ، وبأي منطق ، وبأي مشيئة ، وبأي دين ، وبأي شريعة قام هؤلاء الفئة برفع السعر ، واستغلال إخوانهم المواطنين عيانا بيانا ، وجهارا نهارا !.
ولا لوم هنا على حماية المستهلك ، لأن الخرق اتسع على الراقع ، ولا مجال لمراقبة الناس إن لم يكن هناك رقيب وحسيب داخلي ينبع من ضمائر هذه الفئة الكبيرة من المجتمع السعودي !.
لماذا إذن نلوم الهوامير ، والشركات العملاقة ، والحكومات ، على جشعها ، وعدم مبالاتها بالمواطن المسحوق ؛ إذا كان المواطنون أنفسهم يمارسون الجشع على أنفسهم ، وإخوانهم متى ما سنحت لهم الفرصة ، بدون أي مبالاة ، أو حياء !.
أتمنى أن لا يلومني البعض ؛ فيقول : أنك تبالغ يالرويلي ، والمسألة لا تتجاوز النصف ريال ، أو ما شابه ! .
عندها سأقول لهؤلاء اللوامين : المسألة يا إخواني ؛ مسألة مبدأ ، وقيم ، وأمانة ، وأخلاق ، قبل كل شي ! ولو ارتفع سعر الببسي إلى عشرة ريالات ، سيفعل هؤلاء مافعلوه بالنصف ريال ، ويرفعونه إلى عشر ؛ بل لو ارتفع سعر الببسي إلى ألف ريال ، سيرفع هؤلاء القيمة إلى هذا الحد بدون مبالاة أو حياء ! .
وقيسوا على ذلك ، أي سلعة أخرى مهما كان سعرها ، ومهما كانت أهميتها للمستهلك ، سيفعل هؤلاء القوم ، مافعلوه مع عبوة الببسي ، ونصف الريال !.
وهنا ـ وبكل أسف ـ تتجلى ؛ أزمة الأمة في غياب ضميرها ، وفي غياب قيم الأمانة ،والنزاهة ، والعدل ، والرقابة الذاتية ، والخوف من الله ـ سبحانه وتعالى ـ في التعامل ، والأخلاق الإسلامية الرفيعة !.
وهل يستحق " نصف الريال " أن تسقط كل هذه الأخلاق والشيم ، والأعراف ، والقوانين من أجله ؟!.
وأنا أزعم أن هذه الظاهرة ، لربما لن تحدث في أمريكا أو بريطانيا أو سويسرا ؛ مع أن القوم لا دين لهم هناك يردعهم عن مثلك ذلك ! .
والأمر الأكيد أنه لو كان الوضع معكوسا ؛ بمعنى أنه لو كانت عبوة الببسي ـ مثلا ـ بريال ونصف ، ثم نزل السعر إلى ريال ؛ سنجد أن هؤلاء الناس ، لن يبادروا ـ أبدا ـ لخفض قيمة العبوة مباشرة ، وسيكونون أمناء جدا ؛ بحيث يبيعوا كل الكمية المتبقية عندهم بالسعر القديم ! .
وأتذكر هنا قصة لأمير المؤمنين الفطن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ؛ لما جاءه رجل فسأله قائلا :" مال الناس اجتمعوا على أبي بكر وعمر واختلفوا عليك ؟
فقال علي رضي الله عنه : لأن رعية أبي بكر وعمر أنا وأمثالي ، وأما رعيتي أنا ؛ فأنت وأمثالك ! " .
وقد جاء في الأثر : " كما تكونوا يولى عليكم " .
ويقول تعالى :{وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير}
ويقول سبحانه : { وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ }
وقد ألفنا من بعض الناس ، أن يهرطق في المجالس ، وينتقد الفساد ، والمفسدين ، ويطالب بالعدل والمساواة ، والنزاهة ، وربما لو تأبط مسؤولية أو منصبا ، لكان أسرعهم إلى التسيب ، والإختلاس ، والإفساد في البلاد والعباد ! .
وكيف نطالب بأن يكون حكامنا ، ومسؤولينا كأبي بكر ، وعمر ، ونحن لسنا مثل شعب أبي بكر وعمر ! .
بقي أن أقول أن هناك قلة قليلة التزمت بأخلاقها ، ولم ترفع السعر حتى نفذت الكمية السابقة ، وهذا أمر حسن لا شك ، ولكنهم قلة مع الأسف ، ولا يستحقون المديح في نظري ، لأن هذا هو الأمر الطبيعي الذي ينبغي أن يكون عليه المواطن السعودي المسلم ، الذي يستشعر رقابة الله سبحانه وتعالى ، ويستشعر أنه قدوة للعالم في الشرق والغرب من المسلمين وغيرهم ، وإذا كان " محمد الرويلي " لا يعلمهم ، فإن الله يعلمهم ، ويعرفهم ، وسيكافئهم على صنيعهم ، كما أنه سبحانه ، سيعاقب أهل الجشع والإستغلال ، والله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .
بقلم الأستاذ : محمد الرويلي
خاص لسبق حائل