هذي حايل وقت المصايب
بيّض الله تلك الوجوه يوم تلقاه وأنار لهم طريق الدنيا والآخرة وستر الله عيوبهم وأسكنهم فسيح جنات الفردوس الأعلى إنه على ذلك قدير.. وإنه هو الجواد الكريم.. اللهم أدم عليهم خيرات الدنيا وزدهم فيها وأغدق عليهم من فضلك يوم يلقون وجهك الكريم.
منذ يومين تقريبا وأنا في صراع هل اتصل أم لا؟ في داخلي نداء الواجب يصرخ وصفارات الضمير تعصف برأسي عصفا للوقوف مع صديقي في مصيبته, وفي المقابل صوت ينادي ويقول دعه في حاله.. فأحسن معروف تقدمه له الآن هو أن تتركه في حاله, فما أكثر الذين يتصلون به الآن ويزورونه ويسألونه ليقلّبوا عليه المواجع في كل مرة.. لقد كنت أتساءل كيف أبدأ المكالمة لو أردت الاتصال به؟ هل اسأله عن حالة ابنته التي دُهست بسيارة وتم نقلها للرياض بالإخلاء الطبي بعد أن ضلت في حالة غيبوبة في العناية المركزة هنا في حائل, أم أقدم له واجب العزاء في وفاة صهره وجدّة أبناءه في حادث مروري في الرياض.. إنني أفكّر في حاله وأقول: يا الله على هذا الموقف.. ! كيف حاله الآن؟ وهو الذي تلقى كلا الخبرين في ضحى يوم واحد.. لقد كنت في كل يوم أقول غدا أتصل وعند الغد لا أتجرأ لشدة مصاب الرجل وليقيني بأن الرجل ليس في حالة تسمح له بتقبل الاتصالات.
ولكنني فوجئت بالجوال يتصل.. وإذا بالمتصل هو نفسه صديقي "حماد الشبرمي التميمي" تحدثت إلى الرجل وقدمت له واجب العزاء وسألته عن حالة ابنته, فوجدت الرجل صلبا قويا يتحدث كما لو أنه لم يحدث شيء.. سرني إيمان الرجل القوي بربه.. خصوصا أن في ثنايا حديث الرجل تلك العبارات التي تدل على قوة إيمانه, وسرتني الحالة الإيمانية القوية التي هو عليها.. وبالرغم من مصابه الجلل إلا أنني كنت أكثر ارتياحا ونحن نتحدّث, لأنه كان يتحدث وكأن الأزمة انفرجت والمصيبة انزاحت.. وفرحت.. نعم فرحت بالرغم من الحزن الذي في داخلي تجاه الرجل.. فرحت لأن الصديق لا يحب أن يرى صديقه إلا قويا حتى في أصعب المواقف والأحوال, فهذا يصنع عزاءً لمن حوله ويوقد في القلب نور الأمل وتتحوّل نظرة الشفقة تجاهه إلى نظرة إكبار وإعجاب.. هكذا اختلطت كل المشاعر في قلبي والرجل يتحدث..
لم يقف الأمر عند هذا الحد.. فللمكالمة بقيّة.. تعدّت حدود الشمس بروعتها وجمال تفاصيلها وفصولها.. فما قاله قد هيّج مشاعري وأحسست أن بين أضلعي أمواجا كأمواج البحر المتلاطمة.. فما تلى عبارات الإيمان عبارات لا تقل جمالا ولا روعة عن عبارات الإيمان التي مرّت على مسامعي, لقد كانت عبارات تحمل في طياتها كل صفات النبل والصدق والوفاء, ذلك عندما طلب مني طلبا متناسيا فيه كل المصائب الذي يعيشها والهموم التي تؤرقه ليقول لي أريد منك كتابة موضوع تشكر فيه كل من ساهم في نقل البنت إلى الرياض, ومن تعب معنا عندما كانت البنت في العناية المركزة في أحد مستشفيات حائل.
ثم أكمل.. "الدنيا بخير يا محمد.. الحكومة الله يحفظه والمسئولين بحايل الله يديمهم وأهل حايل ما قصّروا معنا.. ولازم نوفيهم حقّهم ونشكرهم على جهودهم معنا.. أبي الناس تعرف إن الموظفين والدكاترة والممرضين قامو بعملهم على أكمل وجه.. أبيك تشكر كل الناس اللي ركضوا معنا.. سواءً أولياء الأمر أو المسئولين أو الموظفين أو حتى الناس اللي سمعوا بالخبر وساندونا.. والله إنهم حسسونا إن كل حايل تركض معنا علشان بنتنا.. والله إننا نسينا مصيبتنا من شي شفناه من أهل الخير والمعروف". بهذه العبارات دمعت عينيّ وقلت: "الله عليك يا أبو عبد الله.. كل هالهموم والحزن وتفكر بهالأمور؟ والله ما شفت مثلك حقّاني يا أبو عبد الله". قاطعني وأكمل.. "ذهبت لأتنازل عن الولد الذي دهس البنت وهرب.. وتنازلت وأنا لا أعلم إن كانت البنت ستحيا أم ستموت.. تنازلت وأنا لم أره ولم أعرف شكله.. تنازلت ليقيني أنه قضاء الله وقدره, وحرصت على أن اتصل بوالده لأخبره بالتنازل بنفسي".. لقد كان يتحدث بتلك العبارات وأنا بدأ يمر أمامي عقد مضيء متلألئ من أبناء حائل, وتذكرت عندما كتبت "للمجد بقية يا حائل المجد".. لقد تذكرت المواقف البطولية لابن طوعان والهمزاني والنماصي والفقيه والصعيدي.. وقلت لازال للمجد بقية يا حائل المجد.. ها نحن نشهد ظهور بطل جديد.. رجل يخرج ويضرب كل معاني التسامح والوفاء والبر والصبر ليقول ها أنا ذا يا حائل. أقف هامة عالية في وجه المصائب بكل إيمان واحتساب.. وأقدم كل معاني التسامح والبر والوفاء وبموقف قلّما نجده إلا من أبناء هذه المدينة المعطاءة.
وأكمل حديثه بذكر بعض مما وجد من أهل حائل من مسئولين وأهالي.. فما وجدت إلا أروع الأمثلة في الوقفة الصادقة والتضحية والعمل من أجل دفع الضر وإسعاد القلوب.
كان يتحدث عن مواقف إنسانية يجب أن تكتب بماء الذهب.. بل يجب أن نخلّد أسماء أصحابها في قلوبنا لنضيف للائحة الشرف أبطالاً شرفاء جدد لينضموا لمن سبقهم في سُكنى قلوبنا. أوّلهم الأخ العزيز/ معالي عميد جامعة حائل د. السيف.. حيث يقول أنه اتصل به وقال أنه جاهز بكل ما يريد. ويقول أن الدكتور السيف اتصل بمكتب الأمير سعود بن عبد المحسن حفظه الله تعالى لطلب إخلاء طبي.. عندها تم إرسال برقية لولي العهد حفظه الله تعالى من مكتب الأمير, ولم يمضِ سوى دقائق فقط إلاّ وجاء الأمر.. وتم نقل البنت مباشرة للرياض, بمتابعة من الدكتور السيف..
وإن كانت لوحة الشرف قد دخلها البطل الشريف د. السيف من أوسع أبوابها, فإن لعميدة كلية الطب د. عواطف مكان لا يقل مكانة ولا قدرا عن الدكتور, فقد عاشت كل لحظات الغيبوبة الحزينة والأليمة التي عاشتها ابنة صاحبي, وذلك من خلال مرافقة البنت طوال فترة إقامتها في العناية المركزة هنا في حائل, تاركة كل حياتها وراء ظهرها وأوّلها بيتها وأولادها, لتبقى مع البنت طوال فترة إقامتها في المستشفى في حائل, تتابع حالتها وتشرف على علاجها بنفسها.. ولم يقف الوفاء عند هذا الحد.. بل أضاف قائلا.. أن كل هيئة التدريس في قسم الطب للبنات كنّ يداومن على الحضور للزيارة وتقديم المساعدة.
ثم طلب مني تقديم شكر خاص للدكتور عثمان العامر لوقفته الصادقة معه واتصاله بعدة مسئولين لتقديم المساعدة.. وقال لي أن أجعل الشكر موصولا لمن نقل البنت إلى المستشفى بسيارته الخاصة.. ووالله لا أعلم اسمه ولا أعلم إن كان قد ذكر أحدا معه أم لا.. فقد طغت عليّ مشاعري ولمّا كتبت الموضوع لم أجزم على الاتصال بصديقي من جديد.. فوالله إني استحيت أن اتصل به, ولكنه أوصاني بأن أذكر أنه يشعر بمشاعر الشكر والامتنان لكل الذين وقفوا معه قلبا وقالبا.. فشكرا للجميع كلّ باسمه من دون تقليل في شأن أحد من الأبطال الشرفاء.
أكتب ما أكتب بناء على طلب من صديقي ليقدّم باقة شكر وعرفان لولاة الأمر أولا ولكل مسئول ساهم في محاولة جبر قلوب مكسورة بمصائب الحياة, وعلى رأسهم سيدي ولي العهد الأمين الأمير سلطان بن عبد العزيز حفظه الله تعالى ورعاه.. وسيدي الأمير سعود بن عبد المحسن حفظه الله تعالى ورعاه.. نزولا عند كل إنسان مسلم حمل معنى الصفتين بكاملهما فقدّم واجبا أو تطوّع تطوّعا.. كلهم هبوا لمساعدة رجل وجد المساعدة والأحضان قبل أن يعلم بالأخبار الحزينة والمؤلمة.. فشعر أن كل حائل حزينة لمصابه وكلها تقف معه وتبحث له عن حل إن كان بالإمكان إيجاده بإذن الله تعالى.
وقبل أن أختم.. أود أن أعتذر لصديقي حماد الشبرمي لإيراد اسمه دون أن استأذنه, ولأني اقتطعت جزءً من الموضوع وجعلته عنه وعن إنسانيته ونبله.. واضعا نصب عيني حقي ككاتب في وضع بصمة خاصة لي.. أرى من الواجب إضافتها للموضوع ليكتمل جماله بما حدث من التكاتف والتكافل وهي الصفات التي قلما نسمع عنها اليوم. وأعتذر أيضا لكل من لم يرد اسمه هنا.. فقد ذكر الكثير والكثير من المواقف والأسماء.. لعلّي نسيت بعضا منها ومنعني حيائي أن أعيد الاتصال به لأطلب منه أن يعيد عليّ القصص كاملة..
كما أود التذكير بالدعاء لأختنا المسلمة والتي هي بين الحياة والموت في غيبوبة تامة, وأسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يشفيها ويردها إلى أهلها سالمة معافاة.. أرجوكم توجهوا لله تعالى بقلوب صادقة بالدعاء لها بالسلامة والعافية.. علنا نتوّج تلك التضحيات.. والمواقف الإنسانية الإسلامية.. بفرحة نكون جميعا شاركنا في رسمها على شفاه قوم أثقلتهم المصائب وأحزنهم فراق بعض أهلهم, وإنكم حين تسألون.. فإنكم تسألون ربا إذا استغاث به حتى الكافر بقلب صادق أجابه.. وإننا مسلمون يحب أن نلح عليه بالدعاء فلا تحرموا أنفسكم أجر الدعاء ولا تحرموا أحد إخوانكم فضل دعوة مستجابة من عند المنان الكريم.
..................................
أ. محمد المسمار