الأستاذ شتيوي عزام ظهر ظُهْر الجمعة الماضية في برنامج إضاءات, كنت أسمع عنه كثيرا وعن توجهاته الفكرية ولم أكن أعرف عنه شيء. جاءت الفرصة أن أعرف بعضا من فكر هذا الكاتب الذي يحب المدنية وتجذبه الليبرالية ويعشق الفلسفة حتى النخاع. في الواقع المقابلة كانت مليئة بالتنقلات والأفكار ولذلك يعذرني القراء على الإطالة في التفنيد ولكنني أجد نفسي مضطرا لذلك حتى أطرح وجهة نظر مختلفة في كثير من الأحيان ومتفقة معه في أحيان قليلة. قسّمت المحتوى إلى محاور حتى يتسنى للبعض تجاوز مالا يراه مهما ويركز على ما يرغب التركيز فيه.
ما سأكتبه يمثل توجهات شخصية قد تتفق مع نظرة البعض وقد تختلف, أطرح وجهات النظر هذه حتى يكون هناك توضيح في اختلاف وجهات النظر وأين يكمن الاتفاق والاختلاف. وحتى تكتمل زوايا الموضوع أتمنى ألا يبخل الجميع بطرح وجهات نظرهم.
((القبيلة))
في بداية المقال تحدث الأستاذ شتيوي عزام عن القبلية ونظرته تجاه القبيلة.. وقال: تحولت القبيلة من حالة طبيعية إلى حالة تصنيفية. هنا يقصد أن الإنسان ينتمي للقبيلة من خلال الناتج الطبيعي وهو أنه يولد تبعا لقبيلته وليس له خيار في ذلك. هذا الناتج الطبيعي والذي ليس للمرء فيه أدنى اختيار, يجعله القبيلي محورا للتصنيف ينطلق منه, فينبذ من ليس له قبيلة ويتمركز حول اسم القبيلة, وهنا يتحول الناتج الطبيعي إلى ناتج تصنيفي فيتعصّب لقبيلته وأبناءها دون النظر إلى أي جوانب أخرى. ذلك كان كلاما جميلا غير أنه ليس بجديد علينا ولو اختصر كلامه كله بقول الله تعالى:
"إنا جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم" الله عز وجل هنا زاد على كلام الأستاذ شتيوي وأساتذته من قبله بأن الهدف الأساسي من التكوينات الشعبية والقبائلية هي للتعارف فضلا عن أنها نتاج طبيعي, وفي الأخير نهانا الله تبارك وتعالى عن أن تكون القبيلة هي المنطلق الأول لمعتقداتنا وجوارحنا وهذا يتناسب تماما مع كلام الأستاذ شتيوي. ومن جديد زاد الله تعالى على كلام الأستاذ شتيوي وأساتذته من جديد حين أضاف الميزة الأهم وهي "التقوى" وأنها أساس الكرامة عند الله عز وجل وهذا يجعلها أساس التفوق الأخروي.
هذا يعني أن الأستاذ شتيوي جاء بطرح يتوافق مع ما جاء به القرآن غير أنه جاء بالفكرة ناقصة فأتى بنقطتين وأغفل نقطتين, فسبحان الكامل الذي لا يخطئ ولا يزل ولا يضل ولا ينسى.
ثم ذهب الأستاذ شتيوي إلى فلسفة أعتقد أنها غير موفقة حين ذكر ما يسمى "القبيلة الفكرية" ويعتقد أن التعصب للفكرة من قبل مجتمع معيّن يصبح في مضمونه مظهر آخر من مظاهر التعصب للقبيلة. هنا حقيقة يجب أن نذكر الفارق الجوهري.. القبيلة يولد الإنسان تبعا لها بدون اختيار وهذا ليس محل ذم ولا محل تفاخر ولا تعصب ولا انحياز, لأنه ليس للإنسان من خيار يحدد فيه من يكون, وإنما الله عز وجل كتب له هذا النسب. بينما التعصب للفكرة يقوم في الأساس على اقتناع الإنسان بها وبالتالي يتبناها بمحض اختياره. ولأن بعض الأفكار تتصادم ويجب أن تموت واحدة لتعيش الأخرى, هنا يدافع كل شخص عن فكرته ويقصي الأخرى.. وهنا تكمن المشكلة الدائرة بين الأوامر الإسلامية وكلام الفلاسفة والليبراليون والمدنيون وغيرهم. فهناك فئة ترى أنه يجب عدم التنازل عن تشريع رباني نزل من عند الله "وأنا شخصيا أنتمي إلى هذا التوجه تماما" وفئة ترى أنه يجب أن ننضّـر ونحلل هذه الأوامر ونقصي منها مالا يناسب نمط حياتنا.
بعدها انطلق الأستاذين تركي الدخيل والعزام إلى إقصاء الفخر والانتماء إلى القبيلة نهائيا حتى لو كان ذلك من خلال الشعر, واختلفا على أي مراحل الانتماء كان أشد, فقال العزام: أن الوقت الحالي يزداد التعصب فيه مستشهدا بالقنوات ورد عليه الدخيل بأن هذه الأمور موجودة منذ وقت طويل.
أعتقد أن في هذه المسألة ظلم وجور وتسلط على كل قبيلي.. لأن الإنسان وببساطة يحب أن ينتمي بطبعه, ومن ضمن هذه الانتماءات هي الانتماء للقبيلة, فيحب تناقل القصص والأخبار التي تروى عنها ويحب أن يفتخر بها دون التجريح أو التقليل من الآخرين. فهل حقا يريد منا البعض التخلي عن مفهوم القبيلة نهائيا لأن هناك فئة معينة لا يناسبها الحديث عنها! هنا يكون إقصاء للرأي الآخر وهذا يعني أن هناك تناقض بين ما يقوله العزام وما يطالب فيه من حرية للرأي.
نبذ العزام القبيلة واستبدلها بالمدنية.. وقال المقياس في تحديد مدى تقبلنا للناس بغض النظر عن أفكارهم وانتماءاتهم العرقية هي مقاييس أخرى أهمها الوطنية واهتمام الفرد بالجماعة من عدمه! أوافقه فيما ما قال وأزيد أن التقوى والتدين هي المقياس الأول والرئيسي في درجة تقبلي لأي شخص وهذا ما أغفله تماما العزام ولم يتطرق إليه الدخيل.
أنكر العزام قضية النسب وذكر أسباب التعصب للأنساب.. أوافقه فيما قال إلى حد ما.. ولكنني أختلف معه في كيفية حل قضايا مكافأة النسب. لو رجعنا إلى زمن الرسول صلى الله عليه وسلم نجد أنه أمر بطلب الفتاة لنسبها في الحديث المشهور, ولكنه لم يشدد على الأمر وإنما شدد على ذات الدين, ولكنه في النهاية ترك للمرء حرية اختيار زوجته. وقد سبق وأن زوّج الرسول صلى الله عليه وسلم مولاه ابنة عمه, وزوّج جليبيب ابنة أحد أكابر الأنصار وكلهم كبير.. ولكن لنا وقفة هنا.. عندما أمر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بالزواج من ابنة عمه زينب بعد أن طلقها مولاه.. شق على النبي هذا الأمر حيث أنه كان من العيب عند العرب أن يتزوج السيد طليقة مولاه.. ذهب بعدها النبي صلى الله عليه وسلم إلى مولاه زيد يرغّبه في زينب من جديد على أمل أن يعيدها إلى ذمته.. فعاتبه الله عز وجل في ذلك حين قال تعالى: "وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه"
من هنا نستنبط أنه يصعب على المرء العاقل أن يخالف العرف ولو كان على حق, وهنا أعتقد أنه من الصعب أن يتأكد رجل ما أن أحدهم خدعه حين أكّد له أن مكافئ له في النسب فزوجه ابنته ثم تبين فيما بعد أنه تعرض لخدعة كبيرة, في الحقيقة أي شخص لن يسكت ولن يرضى بهذا الغرر. ثم إن هذا المسكين يكون بين مطرقة تفكيك أسرة وسندان قبيلة ستتبرى منه. أحيانا تتسبب هذه النوعية من القضايا في انتهاء علاقة البنت مع أهلها وهذه أيضا فكرة توحشية.. وأحيانا إثارة المشاكل مع الزوج من قبل أبو الزوجة أو أخوها أيضا فكرة توحشية. إذاً هي أزمة قد تورث شر كثير.. والخيار الأفضل فيها هو فصل الزوج عن زوجته.. وإن كان هناك من ملامة على أحد فليكن على الزوج الخائن الكاذب الذي أوهم هذا المسكين وأبنته أنه مكافئ لهم في النسب. ولنتخذ عقوبات رادعة في حقه من قبل القضاء حتى ننتهي من التغرير والكذب والخداع.
ثم ذهب العزام إلى مثال غير موفق عندما تحدث عن أن هناك مفارقة بين من يرفض الزواج من غير "القبيلية" ثم يذهب للخارج ليتزوج من فتاة لا يعرف نسبها! هنا أعرف أن العزام تكلم فيما لا يعرف.. حيث أن القبيلي يحرص حتى في الخارج بالزواج ممن تكافئ نسبه, وهناك من تعرض للكذب والخداع وعندما اكتشف أن زوجته ليست مكافأة له في النسب اضطر إلى تطليقها للأسباب آنفة الذكر. ولذلك لا يوجد هناك مفارقات في المجتمع بهذا الخصوص كما يقول العزام.
((تقنيات الغرب وثقافتهم))
انتقل الحديث عن المفارقة الأخرى التي يعيشها مجتمعنا بزعم الأستاذ شتيوي, يقول الأستاذ شتوي: أن أفراد مجتمعنا يرفضون الحضارة الغربية وهم من يستخدمون أدق تقنياتها وصناعاتها, ويقول أن هذه الصناعات والتقنيات جاءت نتيجة حضارة مجتمع ويجب أن نتعلم من هذا المجتمع كل شيء لنصل إلى ما وصل إليه. هنا خلط العزام بين الحضارية المادية والحضارة الروحية.. الغرب يتفوق تماما في الحضارية المادية, والمسلمون يتفوقون تماما في الحضارية الروحية.. فالتقنيات تمثل حضارة مادية بينما المعتقد يمثل حضارة روحية.. التقنيات يمكن أن نأخذها من أي مكان ومن أي شخص مهما كان معتقده أو فكره لأنه يقدّم لنا الأميز والأفضل.. بينما لا يمكن أن نقبل معتقده لأننا نملك الأفضل والأميز. أما طلب الأستاذ العزام جلب الحضارية الروحية الغربية والثقافة اليومية جنبا إلى جنب مع الحضارة المادية بحجة أن المنتجات جاءت نتيجة ثقافة مجتمع وفكر أمة, فذلك أعتبره إخفاق تام في الطرح الذي ينم عن عدم فهم ووعي للفارق الشاسع بين حضارة بنيت على دين لا يمكن تبديلها بأي حال من الأحوال وبين حضارة وضعية وضعها البشر يمكن تبديلها متى ما شاء البشر. ثم إننا نجلب التقنيات من الشرق والغرب وليته أوضح لنا من نتبع في ثقافتنا اليومية؟ حضارة الصين أم اليابان أم الغرب؟ فيتحول بعضنا إلى غربي والآخر شرقي.. من يستخدم جوال "نوكيا" مثلا عليه أن يكون بفكر ياباني وبثقافة يابانية! ومن يستخدم جوال "سامسونج" فعليه أن يكون كوري! أما من يستخدم "موتورلا" فعليه أن يكون أمريكي! إذن ماذا يفعل المسكين الذي يركب سيارة أمريكية ويستخدم جوالا يابانيا؟ ربما عليه أن يشطر نفسه إلى نصفين أو يقسّم أوقاته وقت لليابان ووقت لأمريكا!
((الذات الخير المطلق والآخرون شر مطلق))
يعتقد الأستاذ العزام أننا حين نعتقد أننا الخير المطلق والآخرون شر مطلق أنها فكرة خاطئة.. هذا ينطبق على المسلمين بين بعضهم البعض وأوافقه تماما في ذلك. ولكنه يعتقد أيضا أن المسلمين الذين يرون أنهم الخير المطلق والكفار شر مطلق على خطأ. وأنا هنا أقول بل هي وجهة نظر صحيحة.
نعم الكفر هو الشر المطلق وإن قدم لنا أهله المعونة فهو يبقى شر في عمومه وفي ظاهره وفي حكوماته ويمثله الغرب والشرق.. والمسلم هو الخير المطلق وإن تسبب علينا بالمشقة فهو يبقى خير في عمومه وظاهره وفي حكوماته, لقد ذكر الله تعالى أننا نحن المسلمون في عمومنا خير مطلق في قوله تعالى: "كنتم خير أمة أخرجت للناس" وذكر أن الكافرين والمنافقين في عمومهم شر مطلق في قوله تعالى: "هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون" ثم وصف الله تعالى أمم الكفر بالغدر حينا وبالحقد حينا وبالكره لنا حينا آخر, ومن الأمثلة قوله تعالى: "ها أنتم تحبونهم ولا يحبونكم.. وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ.. قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور" فلماذا نتجاهل كلام الله عز وجل ونتفلسف في قضية قد قضى الله فيها؟ هنا إشكالية فكرية وشبهة دينية يعاني منها العزام وعليه حلها سريعا.
((الهيئة))
في الحديث عن رجال الهيئة والذي أشبعه الآخرون طرحا وحوارا ونقاشا ولا ما نع أن أدلي بدلوي أنا الآخر.. جهاز الهيئة جهاز حكومي وهو يقوم على رجال يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وتغيير المنكر يكون باليد أو اللسان أو إنكار بالقلب, كلها صالحة وكلها من الدين وأفضلها باليد وأضعفها إنكار القلب. هناك أخطاء ولكنها محدودة وهناك من يحاول تضخيم أخطاء الهيئة فقط في محاولة يائسة لإلغاء هذا الجهاز الحكومي المهم.
أنا شخصيا لا أذكر أن رجال الهيئة تعرضوني بسوء إطلاقا فلماذا هناك أناس يشتكون منهم بشكل دائم؟ الجواب يكمن خلف تصرفات أؤلئك البشر. يقول أحدهم "الله يلعن الهيئة" قلت لماذا؟ قال: لا يمكن لأحد أن يلتقي بصديقته فهم في مكان مكان, تعجبت منه ولكنني قلت "الله يعز الهيئة.. اللي واطين على أرقاب أشكالك.. يتعرضون أعراض خلق الله" خرج غضبان وهو يقول لصاحب المنزل لن أعود وهذا موجود!
((النكتة))
يقول الأستاذ شتيوي عن النكتة أنها تزدهر في المجتمعات التي تكثر فيها الضغوط النفسية! ويبدو أن الأستاذ تركي الدخيل يتفق معه أيضا في ذلك, ولكنني أعتقد أن لي فلسفة أخرى في ذلك. كل إنسان على وجه الأرض يعاني ضغوطا لا تنتهي إلا عند موته كما قال الله تعالى"لقد خلقنا الإنسان في كبد" والمقصود بكلمة كبد هي الشقاء والتعب. ولم أرَ أن النكتة ازدهرت في كل العصور والأزمان. كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعيش ضغوطا جهادية وعداوات مستمرة إضافة إلى الجوع والفقر في بعض الفترات من حياته, وكان الصحابة رضوان الله عليهم يشاركونه هذه المعاناة, لا أذكر مطلقا أنني قرأت أن النكتة ازدهرت في ذلك الوقت ولا في عهد الرومان ولا الفرس ولا في الأزمان التي سبقتها. وأظن أن النكتة تزدهر عندما تُميّع القضايا وتصبح سخيفة في نظر المجتمع. فتصبح القضايا مجالا للسخرية والتعليق بدلا من أن يكون نقاشها على مستوى حوار راقي يرتقي مع أهمية القضية. ولذلك عندما كان الإنسان السعودي يعاني من الفقر وقلة ذات اليد في الصحراء وصعوبة العيش لم تزدهر النكتة كما ادعى أستاذ شتيوي, ولكن كانت القضايا محل نقاش جاد من خلال التربية الجافة وتداول القصص والشعر, وعندما شبع الإنسان السعودي بطنا وحسابا مال إلى الدعابة والنكتة وميّع القضايا مقابل ألا يخسر مكتسبات البطن والحساب.
((السعوديات خادمات))
يرفض الأستاذ شتيوي عمل المرأة السعودية في مجال الخدمة المنزلية خصوصا أنها تعيش بين أحضان دولة غنية. والجميع يتوافق معه في ذلك غير أنه نصّب نفسه المدافع الوحيد عن القضية وهمّش آراء الآخرين وبدلها وقال أن المجتمع يريد أن تكون المرأة خادمة بحكم ذكوريته! وقال الذكر يرغب في أن تكون المرأة خادمة له! أولا/ المجتمع خليط نساء ورجال.. والأستاذ شتيوي جعل المجتمع ذكوري بلا نساء من خلال رده. هنا الأستاذ شتيوي أقصى المرأة من المجتمع كلية وهذا يتنافى مع ما تذهب إليه الأفكار الليبرالية والمدنية التي تساوي المرأة بالرجل! فأي تناقض يعيشه هذا الفكر! ثانيا/ المرأة حاليا تعمل خادمة ولكنها ليست سعودية ويمكن للرجل أن يرى المرأة تخدمه ويتلذذ بخدمتها له ويشبع ذكوريته إن نحن سلمنا أن الرجل يتمتع في ذلك ويرى ذكوريته من خلال خدمة المرأة له! والحقيقة لم أعلم في حياتي أن رجلا كان من ضمن أحلامه أن يرى خادمة سعودية أو غيرها تخدمه! ثالثا/ كل المجتمع ضج ضد هذه الفكرة ولم يوافق عليها, ولا أفهم أين وجد شتيوي ذلك المجتمع الذي لا يوجد فيه إلا الذكور والذي فرح بفتح المجال للمرأة في أن تعمل خادمة!
((صراع التيار الإسلامي والحداثة أوجد الليبرالية))
في الحديث عن الليبرالية ضرب الأستاذ شتيوي الليبرالية ضربة قاصمة حين قال أن الليبرالية جاءت نتيجة صراع بين التيار الإسلامي المتشدد وتيار الحداثة, وهي لم تأتِ لمعالجة قضايا المجتمع السعودي. ذلك الكلام كان كله ضد ما يدعيه الليبراليون فاتضح لنا أن الليبرالية قامت فقط كردة فعل من خلال حديث الأستاذ شتيوي, وهكذا حركة من العيب أن نعترف فيها أو نؤمن بها لأنها جاءت مجرد ردة فعل وتصفية حسابات.
((الفكر التنويري))
يعتقد الأستاذ شتيوي أننا جميعا يجب أن نكون تنويريون! ذلك أن عقلك هو سيدك والمحرك الأول الذي تنطلق منه كل معتقداتك إن جاز التعبير.. أن تفكر بعقلك وتقرر بنفسك.. وأن تكون سلطة نفسك.. ألا تكون منغلق حول نفسك.. أن يفهم الإنسان نفسه أكثر.. أن يكون الفرد جاهزا لنصرة الجماعة ومساعدتهم وهذا في الحداثة والمدنية.. أن يضع المجتمع الأطر والقوانين السياسية والدينية والإجتماعية والثقافية لنفسه.. وأمور أخرى كثيرة يقدمها لك "التنوير"
عندما نتأمل هذه الفلسفة وهذا الفكر نعتقد جازمين أن هذا الفكر يعتقد أن الله عز وجل خلقنا ورمانا في متاهات الأرض وعلينا إيجاد صياغة معينة في كيفية العيش والتعايش وبناء القوانين والأحكام! والحقيقة أن الله خلقنا وأرسل إلينا الرسل والأنبياء لتوضيح كل شيء يمس حياتنا.. من يتأمل سنة الرسول صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا يجد أنها الجواب الشافي لفهم الإنسان لنفسه دون التعب في التفكير.. كل ما عليك فعله هو تتبـّع هذه الشخصية وستصل إلى ما تريد دون الحاجة للركض خلف فلاسف الفلاسفة.
خلق الله البشر وهو أعلم بهم من أنفسهم.. ثم انزل القرآن والتشريعات تبيانا للناس في أنفسهم وفي حياتهم بكل أشكالها وأصنافها.. ولذلك ليس علينا التفكير بل علينا التنفيذ.. ولو كان ديكارت وروسو و كانط و لايبنز وهويز ولوك وسقراط ودافينشي وأرسطو قد قرءوا القرآن وعلموا السنة لما كتبوا حرفا واحدا في الفلسفة. فلماذا نحن ندع كلام الرب عز وجل ونتجه إلى كلام بشر قد يخطئون وقد يصيبون فيه؟ فننضـّـر ونحلل كما نشاء! تخيل معي عزيزي القارئ أن يشتري أحدنا جهازا جديدا بالكلية, ومعه كتالوجا فيه التعليمات لهذا الجهاز, فيرمي هذا الشخص بالكتالوج ويصر أنه سيعرف كيف يستخدمه استخداما كاملا وبالشكل الصحيح دون الحاجة للمساعدة! هنا قد يجد بعض الحلول لبعض المشاكل ولكنه ربما تفوته أشياء أخرى لم يستفد منها في هذا الجهاز, وربما أدى سوء استخدامه إلى إعطاب الجهاز.
كذلك نحن.. خلقنا الله وأنزل القرآن ليبين لنا كل شيء في أنفسنا وفي كل ما حولنا ثم نذهب ونضعه على الرف ونبدأ في البحث في حقيقة أنفسنا.. ذلك سيؤدي إلى فوات أشياء وربما إلى إعطاب الجسد والروح أو أحدهما دون أن نعلم.
انتهى كلام الأستاذ شتيوي إلى كلام نسف فيه كل فكره التنويري وكل ما سبق ذكره. حين قال عليك أن تكون أنت من يفكر ويقرر, هل حقا يعتقد الأستاذ شتيوي أنه ولد عالما لا يحتاج توجيه أو تعليم من أحد؟ الإجابة بالطبع ستكون لا طبعا.. إذاً فكره هو امتداد لأفكار آخرين سبقوه وهو ما جعله يتبنى هذه الأفكار, لا إشكالية في ذلك حتى الآن.. ولكن هو يقول فكر بعقلك.. أليس عقلك من جعلك تتبع فئة معينة في فترة سابقة ثم هو نفسه من قادك لنقدها وإتباع معتقدات وأفكار أخرى مضادة لها! إذاً عقلك تائه إذاً عقلك لا يستحق أن يكون مصدر ثقتك.. إذاً أنت بحاجة لمن ينير لك هذا العقل الناقص.. إذاً أنت بحاجة للقرآن والسنة اللذان يختصر عليك كل هذه التساؤلات والتشريعات التي أنت بحاجتها.
ثم يقول كنت مغيبا في فترة التدين ومنغلقا حول نفسي خلف تيار واحد.. اليوم هناك الملايين ممن ينغلقون خلف هذا التيار وعقولهم تقول لهم أنتم على حق بناء على المدارس الدينية التي تعلموا فيها.. وربما كان التفجير والقتل والإقصاء هي القناعات التي وصلت إليها جماعة المتطرفين والأحزاب اليمينية في كل الأرض, فكيف تكون ضد هذا الفكر وأنت من تؤمن بالتعددية في الآراء والأفكار؟ فإن أنت أنكرت فعلهم ومعتقدهم فقد أنكرت أحد أهم مبادئك وهي الحرية في الرأي وإتباع العقل, وإن أنت قلت هم أحرار فيما يفعلون يكون تنويرك وليبراليتك ناقصة لا تصلح لقيادة المجتمع, لأنه سيعيش على ويلات الأهواء والقتل.
يؤمن التنويريون والليبراليون والمدنيون بالتعددية وحرية الرأي وهذه العقيدة تعطي الطرف الآخر الحق في كيفية اختيار طريقة حياته, يرفضون وينكرون الإيذاء الجسدي ولا ينكرون الإيذاء الروحي. أي يرفضون الضرب مثلا ولا ينكرون كشف الوجه والذي يسلب اللب أحيانا ويحزن القلب ويقتل الروح حين يلوح جمال فتاة يذهب إلى غير رجعة!
((الجهاد نعمة أم نقمة))
الأستاذ شتيوي يتوه من جديد وينكسر أمام أسئلة الدخيل الكثيرة والدقيقة هذه المرة.. يقول في تعريف الجهاد: أنه تهور قد يؤدي إلى إيذاء النفس والآخرين.. ثم ضرب مثالا بالبوسنة والهرسك وقال: إنها حربا سياسية وليست دينية! هنا أسأل سؤالا واحدا.. لماذا الأستاذ شتيوي تنصل من مبدأ الفكر المدني الذي من أهم ركائزه مد يد العون للمحتاجين؟ هل يرى مثلا أن المسلمين في البوسنة لا يستحقون أن نقف معهم؟ هو أخذ الحديث من زاوية الحسابات العقلية المجردة, ففكر ثم قرر أن جسده وروحه ملكه, إذاً لا يمكن أن تذهب ضحية قضية سياسية! ولكنه لم يفكر في الطرف الذي يعاني ويلات الحروب وهو بحاجة للمساعدة وهذه أنانية وتنصل من الإنسانية. ليس الجهاد قتلا فقط ولكنه منظومة كاملة تقوم على نصرة الضعيف ومساعدته, كان بإمكان الأستاذ شتيوي الذهاب مجاهدا في توزيع الصدقات أو جمعها عن طريق القنوات الحكومية التي فتحت أبواب المساعدة هناك.
هنا يتضح لنا أن تجربة الأستاذ شتيوي مع التدين تجربة منغلقة جدا تمحورت حول فكرة تفجير نفسه متى ما وجد الفرصة, وهو ما أدى به إلى الهروب منها والبحث عن فكر جديد.. ولو أنه جلس بين يدي العلماء الكبار لوجد علما ومنابعا تفوق في جمالها الفكري كل جمال, ولما احتاج لقراءة كتابات الفلاسفة الناقصة على كل حال. ولذلك ليس من حق الأستاذ تقييم التدين من خلال تجربته وهذا يدل على أنه غير ضالع فيما ينتقد وهذه سلبية كبيرة في حقه.
أخيرا رفض الحديث عن الجهاد مطلقا وقال أنا شخصيا أتجاوز هذه الفكرة.. هل لأنه أحس أنه في مأزق أو ربما أنه فعلا ينسف فكرة الجهاد وذلك أيضا تناقض في فكرة تقبل الرأي الآخر.
يعتقد الأستاذ شتيوي أنه عندما يطرح فكرة وهي أحيانا تكون "شبهه" فإنه يجب على الآخرين تقبلها! نحن
نتكلم هنا عن زرع شبهات في الدين, وإن إقصاء فكرة دينية وإحلال مكانها "هرطقة دينية" تغضبنا جميعا لأن في ذلك نقض للبنة من لبنات الدين وإحلال مكانها بدعة أو شبهه.
وإن أول من أدخل الفلسفة في الدين هو ابن هارون الرشيد وهو ما أدى به إلى الخروج بفكرة غريبة مفادها أن القرآن خلق من خلق الله تعالى وليس كلامه!
((هل التراث فريضة))
في مسألة التراث أنا أوافق تماما ما قاله الأستاذ شتيوي.. حيث أن جزءا يسيرا من التراث هو مخرج البيئة الصحراوية والبدائية ولا يمكن فرضه على المجتمعات المعاصرة. وأعتقد أن فرضه أيضا لن يضر بالمجتمع ولن يؤدي به إلى الانفجار, إذاً يبقى في حدود الحرية الشخصية لكل فرد مادام أنه ليس هناك من ضرر. ولكن الأستاذ جعل الدين جزء من هذا التراث ثم عاد وناقض نفسه وقال الدين أعم وأشمل ثم عاد وقال ليست لدي مشكلة مع الأنبياء! دون أن يتكرم هو والأخ الدخيل بقول عليهم الصلاة والسلام! إذاً هنا تناقض وفكرة غير واضحة, أي أن الأستاذ شتيوي تكلم فيما لا يعرف إذاً هو الفكر التنويري متناقض إذاً هذا الفكر لا يستحق الإتباع.
يقول الأستاذ أن هناك من يحاول أن يبعدك عما جاء به الأنبياء! هل حقا يعي الأستاذ ما يقول؟ أشك في ذلك.. يجب علينا جميعا أن ندرك أن الدين قد ورثناه عن طريق من سبقونا, وهم من قدموا الدين لشتيوي وغيره في زماننا هذا. الحقيقة أن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم مليئة بالجهاد والأمر به حتى أنه قال: "من لم يجاهد أو يحدث نفسه بالجهاد فهو في شعبة من النفاق" والأخ شتيوي ألغى الجهاد من قاموسه وقال أتجاوز هذه النقطة! إذاً الأستاذ شتيوي بحث عما يرضي أهواءه وأسقط مالا يرضيها من الدين وأسماه تشدد وتطرف! ولذلك هو يقول يجب أن يفهم الدين كما يريد لا أن يُفرض عليه شيء منه!
يقول شتيوي ليس بالضرورة أن نلغي التراث ولكن يجب أن نعيد طريقة التفكير فيه.. وبعد أن نفكر ونجد أننا على حق فإننا نتبع هذا التراث! هل يعتقد الأستاذ شتيوي أننا نحارب من أجل بقاء فكرة لسنا مقتنعون بها! لسنا حمقى إلى هذه الدرجة يا أخي العزيز.. نعم أعدنا التفكير ووجدنا أننا نحب أن نُبقي بعضا من عاداتنا كما هي دون تغيير.
عاد الأستاذ شتيوي للتناقض في حديثه حين قال: أنه ليس هو من أطلق لقب ديكارت السعودية على المطيري وأظهر عدم قناعة بهذا المسمى ورماه على شخص آخر, كيف يكون هنا الداعي للفكر التنويري يكتب مالا يعتقد وإنما يردد كلام الآخرين!
وبالانتقال في الحديث عن الوسطية قال تعالى: "جعلناكم أمة وسطا" أي أحسن الأمم.. وسط الشيء هو أفضله, وليس المقصود به تمييع الدين وتمرير بعض الأفكار الشاذة كما يظن البعض! ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يتبع الوسطية ومع ذلك أمر بالقتل وحارب وسبا النساء واستعبد الخلق وكل ذلك بالحق. لأن أئمة الكفر ورؤوسه ومن يحاربون دين الله عز وجل ليس لهم مع الله عهد ولا ذمة ولذلك يمكن أن نمارس عليهم العبودية والقتل وهذا يتنافى مع مبدأ المدنية والليبرالية, وهو ما يجعل المتبعين لهذا الأفكار في معارضة للدين والتشريعات السماوية.
((أخيرا))
الأستاذ شتيوي العزام ظهر شابا وسيما يجيد التلاعب بالألفاظ وتطويعها في كثير من مقالاته وكتاباته, ولكنه ظهر مهزوزا في فكره الذي يقدمه ويكتب عنه.. كان فكره مليء بالتناقضات والشبه العقدية, فكان كالقشرة الجميلة حشوتها عبارة عن لب فاسد. يؤمن بعقله الذي خدعه مرة وربما أخرى. ويظهر لنا أن شتيوي العزام رجل يعيش "حياة التيه العقدي" بلا أدنى شك.
بقلم الأستاذ : محمد المسمار
خاص لسبق حائل