( أمي سامحيني )
بسم الله الرحمن الرحيم
أمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي سامحــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــيني
أماه عندما تتزين الأمهات ـ كل الأمهات ـ ويلبسن ما غلي ثمنه من الحلي والجواهر ، ويدهن وجوههن بما لمع وبرق ، واختلطت ألوانه من مختلف المساحيق ، ويعلقن أفضل ، وأندر الزينات ، وأنت ياأمي باقية على طبيعتك لم تجاريهن بما فعلن ، صدقيني أنك أنت الأجمل ، وأنت الأنظر ، والأحسن لأن الله ـ سبحانه ـ ميزك بالجمال الحقيقي ،جمال الروح والجوهر ،فبقيت ياأمي بين الأمهات أنت الأجــمــــــــــــــــــــــــــــل .
أماه لقد نمت بحضنك سنين قرير العين أحتمي فيه من كل هجير و زمهرير .
آه كم تلذذت بعواصف شتائك الثلجية ، وأنسام صيفك الشمالية التي تشفي العليل .
كم سعدت برحابة صدرك ، وجلت فيه متنقلا من ضلع إلى ضلع دون أن تبدين مني كلل ، أو ملل .
أماه لقد أرضعتينا من ثديك الفياض الغزير معنى الحب ، والوفاء ، والإخلاص ، وغسلتي قلوبنا ، وأجسادنا من أدران النجاسة ، والحقد ، والحسد ، والبغضاء .
أماه ما أحلى تربيتك لنا ، وعدلك بيننا ( أنا وإخوتي ) لم تفرقي بين صغير ، أو كبير ، غني ، أو فقير ، أبيض ، أو أسود .. شملتينا بحنانك ، وعطفك .. غرستي فينا حب الأخ لأخيه ، ووثقتي فينا عرى الترابط الأسري فنشأنا بكنفك إخوة متحابين.. مترابطين .. متكاتفين .
أماه كنا صغارا عندما تهب العواصف السيبيرية الشمالية ، فنركض مسرعين نحتمي داخل خلجات صدرك ، ونكسر من حنايا ضلوعك لنا حطبا نوقد به نارا نستدفأ بها وعندما يحل الظلام ، ويرخي سدوله على أرجائك نشعل أناملك شموعا لنا نستضيء بها ، وتنير لنا طريقنا .
أماه لا أذكر متى تعلمت الكتابة ، ولكن الأكيد أنني أول ما تعلمتها كانت عبارة عن خربشات على أديمك الغض الندي ، فجلدك استقبل أولى رسومات وخربشات طفولتي ، وتحمل خط ومسح عبثيات مراهقتي ، ونقشت في جداره وشوما عبارة عن أشعار ، وقصص ، وخواطر من فورة شبابي ، فعلى أديمك يا أمي نقشت سيرتي ، وتاريخي منذ ميلادي .
أماه كم قاسيت الفقر وشظف العيش ، وجعت من أجل أن يشبع أبناؤك .
أماه كم قاسيت حرارة العطش ، ولهيب الظمأ ، وجفاف الحلق من أجل أن يروى أبناؤك .
أماه كم تحملت ألام المرض . وسيوف الوجع والألم ، ومشارط الجراحين من أجل أن يشفى أبناؤك .
أماه كم قاسيت زمهرير الشتاء كي ندفأ ، وكم تحملت هجير الصيف كي نبرد ، كم وكم وكم قاسيت ، وعانيت ، وتحملت من أجلنا .
عندما كنت شابة صغيرة كنت نشيطة تجابهين الصعاب ، وتتحدين الظروف ، وتقهرين كل التحديات لكي توفري لنا كل مستلزماتنا ، ومتطلباتنا الصحية ، والعلمية ، والمعيشية ، والترفيهية ، ومن مختلف الاتجاهات والطرق ، أما الآن وقد كبرت , وداهمتك ـ للأسف ـ الشيخوخة مبكرا ، وأصبحت تعانين من اعتلال بالصحة ونقص بالتعليم ، وجوع ، وعطش ، وشح بأساسيات الحياة .. تجاه ظرفك هذه صمدنا نحن أبناؤك الكبار القدامى ، وصبرنا وتحملنا ، وبقينا نخدمك سنين طوال على أمل أن يتحسن الحال , ولكن أحفادك لم يطيقوا صبرا على ظروفك الحالية ، وعلى بقاء الحال على علاتها ، فأجبرونا ـ نحن أبناؤك ـ على الرحيل عنك .
أماه إن كان إخوتي الذين فارقوك قد جفوك ، ولم يلتفت إليك منهم أحد ، فأنا التفت إليك مرارا وتكرارا حتى كادت رقبتي تنكسر من كثر التفاتي نحوك .
أماه منذ فارقتك لم أهنأ بمأكل ، أو مشرب قط .. منذ فارقتك لم أذق يوما طعما حلوا لحياتي
أماه منذ فارقتك وفكرة العودة إليك تلوح بفكري كل حين وآخر .. منذ فارقتك وأنا أمني نفسي بأني سأكحل عينيّ برؤيتك وأرتمي بحضنك وبإذن الله سأعود يوما ما.
أماه وقد جفاك وعقك إخوتي من قبلي ، ومن بعدي ، وليس بينهم واحد اعتذر ، أو تندم ، أما أنا وهاأنذا أبدي لك عذري , وأسفي ، وندمي على فراقي لك ، وجفائي لهو أكبر دليل على حبي ، وإخلاصي ، ووفائي لك ، فسامحيني يا أمي سامحيني.... سامحيني يــا طريـــــــف .
ابنك : سعود الرمالي .
==============================
بقلم الأستاذ : سعود عماش الرمالي
خاص لسبق حائل