"حاصلة على ترخيص وزارة الثقافة والإعلام"
RSS Feed Twitter YouTube
سبق حائل | صحيفة إلكترونية???????

جديد الأخبار
جديد المقالات

مدار للسياحة

الدرسوني

الصفا





أطيب البن

تحفيظ

شركة حائل العقارية





05-02-1433 04:06 PM

تعيش أمتنا العربية والإسلامية اليوم حالة مخاض سيكون لها ما بعدها على مدار التاريخ وتطاول الأيام، فهي تتشكل فكراً وحركة وعلاقة بين الحاكم والمحكوم بصورة جديدة تستدعي للخاطر قول شوقي: زمان الفرد يا فرعون ولى وزالت دولة المتجبرينا وأصبحت الرعاة بكل أرض على حكم الرعية نازلينا وهذا الظرف الذي نحياه يحتاج إلى قيادة فكرية وروحية واعية، وريادة علمية وعملية واعبة لمتطلبات المرحلة، وتوازنات الحاجة، وترتيب الأهم قبل المهم، والفرض قبل الواجب، والواجب العيني قبل الكفائي، والآني قبل الآتي، وإعداد كوادر وقيادات على المدى القصير والطويل تكون مؤهلة لحمل الرسالة، وأداء الأمانة أداء مبنياً على وعي رشيد يكون أساساً لسعي حميد. وإذا تأملنا واقع المسلمين بين الماضي والحاضر، وموقفهم من سُنة الله في القلة والكثرة، رأينا أن وعي المسلمين بها وعنايتهم بأثرها، أو إهمالهم لها وعدم اهتمامهم بها هو الذي شكَّل محور الأساس وحجر الزاوية في فترات الانتصار أو الانكسار، فيوم أن وعى المسلمون على ضوء مقاصد القرآن، وفلسفته للقلة والكثرة بل سنته فيها، يوم أن وعوا أثر القلة في الشهود الحضاري وقيمة هذا التضامن والتجمع على مستوى العلماء والأمراء، والنخبة الفكرية والعلمية وعلى مصاف الساسة والحكام، والزهاد وأرباب السلوك، يوم أن عزوا وقدموا للبشرية الخير، فضلاً عن الإسلام أروع صور الحضارة، وأرقى نماذج الإنسان عندما يبدع ويبتكر في ضوء مقولات الوحي ومتطلبات السماء، ويوم أن أغفلوا النظر إلى هذه السُّنة الماضية وأهملوا التعامل معها يوم أن أصبحوا غثاء كغثاء السيل أو هباء تذروه الرياح، فلا وزن في عالم الحضارة، ولا قيمة في دنيا الأرقام، ولا سبق في مجال العلم ولا ريادة في جانب الاجتماع، وكانوا هم من انطبقت عليهم السُّنة في القلة والكثرة كما انطبقت على غيرهم؛ {كّذّلٌكّ يّضًرٌبٍ پلَّهٍ پًحّقَّ $ّالًبّاطٌلّ فّأّمَّا پزَّبّدٍ فّيّذًهّبٍ جٍفّاءْ $ّأّمَّا مّا يّنفّعٍ پنَّاسّ فّيّمًكٍثٍ فٌي الأّرًضٌ كّذّلٌكّ يّضًرٌبٍ پلَّهٍ الأّمًثّالّ >17<}(الرعد). وإذا سألنا التاريخ عن فترات الشهود الحضاري للأمة المسلمة، أخبرنا أنها تلك الفترات التي فهم المسلمون فيها أثر هذه القلة ومهمتها في الشهود الحضاري وإنهاض الأمة، وقد بدا ذلك في عصور متتابعة، فيوم أن تصدر العلماء لإرشاد الأمة ونصح الأمراء بالكتاب والسُّنة، يوم أن وصلت الأمة إلى مرحلة مشهودة من التمكين، وإذا نظرنا إلى محنة ضياع الأقصى وكيف عاد إلى دوحة الإسلام وحصن المسلمين، عرفنا مهمة القلة من العلماء الرواد الذين تعاونوا مع الأمراء الحكماء في معركة «حطين» التي انتصر فيها صلاح الدين الأيوبي عام 583هـ، والتي لم تكن وليدة تراتيب إدارية وعسكرية فقط، بل تراتيب تربوية لنفوس الجيش والأمة، وليس على مستوى المرحلة الزمنية للمعركة، بل على تطاول أجيال متعاقبة في عهود زنكي، ونور الدين، ثم صلاح الدين.. «فإن عدداً من الدعاة والعلماء قد وقفوا مع هؤلاء الأبطال الثلاثة - زنكي، ونور الدين، وصلاح الدين - وكان على رأس هؤلاء المؤرخ بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن شداد (539 - 632هـ)، والفقيه ضياء الدين عيسى بن محمد الهكاري (585هـ)، والمؤرخ المعروف عبدالله محمد الأصفهاني المعروف بـ«العماد الكاتب» (519 - 597هـ/ 1125 - 1200م)، الذي كان قلمه كما يصفه المؤرخون أشد وأنكى على الصليبيين من سيوف المجاهدين، إذ به جمع صلاح الدين عساكر المسلمين، وبأسلوبه البليغ المؤثر ألف بين قلوبهم وحبب الاستشهاد إلى نفوسهم»(1).
ومَثَّل وعيُ العلماء، وفقههم بمتطلبات الحضارة، وإقرار شؤون الدولة ومصالح العباد ورعايتهم جانباً مهماً من علاقتهم بالأمراء ومدى تأثيرهم فيهم وسماعهم رأيهم، فقد أشار القاضي الفاضل على صلاح الدين بعد «صلح الرملة» (588هـ) بتأجيل الحج إلى سنة أخرى لأسباب عرضها عليه؛ مؤيداً إقناعه بفتوى دينية نصها: «أن الانقطاع لكشف مظالم الخلق أهم من كل ما يتقرب به إلى الله»(2).
والمطالع لحقب التاريخ المتطاولة في حياة المسلمين يرى ريادة القلة والتكامل بينها وبين الأمة عن طريق قيادتها وتبصيرها، مما كان له أبعد الأثر في نهضة الأمة، فالتكامل بين الساسة والدعاة في العصر المملوكي والعثماني كان له أثره البالغ في حضارة الأمة واستقرارها، كما لا يخفى على مطالع للتاريخ مدى التكامل بين أمراء المماليك والعلماء في مقاومة التتار، وإذا نظرنا إلى بلاد المغرب وبلاد الهند واستعرضنا مواقف العلماء والقلة الرائدة وأثرها بالأسماء والأرقام عرفنا مدى أثر الوعي بسنة القلة وريادتها في الشهود الحضاري. ووجود هذه القلة الرائدة الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر الداعية إلى صراط الله المستقيم ضرورة من ضرورات المنهج الإلهي ذاته؛ «فهذه الجماعة هي الوسط الذي يتنفس فيه هذا المنهج ويتحقق في صورته الواقعية، هو الوسط الخير المتكافل المتعاون على دعوة الخير، المعروف فيه هو الخير والفضيلة والحق والعدل، والمنكر فيه هو الشر والرذيلة والباطل والظلم.. عمل الخير فيه أيسر من عمل الشر، والفضيلة فيه أقل تكاليف من الرذيلة، والحق فيه أقوى من الباطل، والعدل فيه أنفع من الظلم.. فاعل الخير فيه يجد على الخير أعواناً، وصانع الشر فيه يجد مقاومة وخذلاناً، ومن هنا قيمة هذا التجمع(3).
كيفية صناعة القلة الرائدة وإذا انتقلنا من التنظير إلى التطبيق، ومن ميدان الكلام إلى ميدان العمل، نستطيع أن نرصد في برمجة عملية وخطوات إجرائية كيفية صناعة القلة الرائدة التي ترود أمتها إلى الشهود الحضاري وأستاذية العالم كما أراد الله تعالى حين أخبر: {$ّكّذّلٌكّ جّعّلًنّاكٍمً أٍمَّةْ $ّسّطْا لٌَتّكٍونٍوا شٍهّدّّاءّّ عّلّى پنَّاسٌ $ّيّكٍونّ پرَّسٍولٍ عّلّيًكٍمً شّهٌيدْا}(البقرة:143).
ويمكن أن نرصد بعض الخطوات العملية التي من شأنها أن تساعد في صناعة القلة الرائدة على النحو التالي:
1- إدراك أهمية هذه القلة، والقناعة العملية وليست الفكرية أو النظرية بمدى حاجة الأمة إلى ريادة حقيقية، إن لم تكن على المستوى الرسمي من الحكومات والدول فلتكن على مستوى أصحاب الرأي والفكر والمعنيين بالهم الإسلامي العام، والمنشغلين به؛ فقد ثبت عملياً أن غياب الوعي وعدم الإدراك الحقيقي لمدى خطورة فراغ الأمة من قلة رائدة أثَّر تأثيراً مروعاً في عدم بروز هذه القلة، وعدم العناية بها إذا برزت، وبدا ذلك بصورة ملحوظة في عدم تفرغ كفايات علمية لحمل ما خلقت من أجله من وعي يكون أساساً للسعي، ومن ثم توعية الأمة برسالتها ومهمتها حسب طبيعة كل مرحلة من المراحل التي تمر بها والمكان الذي تشغله، فما يصلح في وقت قد لا يصلح في وقت آخر، وما ينفع في زمان قد لا ينفع في زمان آخر، وما يفيد قوماً قد لا يفيد منه آخرون، وقد حوت الشريعة الإسلامية من عوامل السعة والمرونة ما أثبت لدى البعيد قبل القريب صلاحيتها لكل زمان ومكان. وهذه القناعة العملية الحقيقية ليست بالأمر السهل اليسير، بل تحتاج إلى توطين النفس واكتشاف نقطة البداية؛ لأن معرفة مدى حاجة الأمة إلى قلة رائدة لها أثر تربوي وفكري وعلمي يستطيع أن يؤثر ولا يتأثر ويجذب ولا ينجذب أمر مهم ومؤثر، واكتشاف نقطة البداية هذه له ما بعده من تكاليف ومشاق.. «ولعل أعظم زيغنا وتنكبنا عن طريق التاريخ أننا نجهل النقطة التي منها نبدأ تاريخنا، ولعل أكبر أخطاء القادة أنهم يُسقطون من حسابهم هذه الملاحظة الاجتماعية، ومن هنا تبدأ الكارثة، ويخرج قطارنا عن طريقه، ولا عجب فإن كوارث التاريخ التي تحيد بالشعب عن طريقه ليست بشاذة»(4).
2- إعداد قيادات المستقبل، في ضوء النظرة الاستشرافية العامة التي تنورنا بها قضية السنن بصفة خاصة، فإن أوجب الواجبات لدارس السنن أن يفيد منها، ويفيد من تيارها ولا يصادمها، خاصة أن من خصائصها عدم التبدل أو التغير، فإذا وعينا ثباتها واطرادها فلنستفد منها على ضوء خصائصها وسماتها، وقد ثبت سننياً من خلال عرض هذه السُّنة في القلة والكثرة أن الريادة لكل أمر لا تكون لعامة الناس ولا لجمهور البشر، بل لفئة لها من الوعي ما يعينها على إحسان السعي، ولها من العلم ما ييسر لها إتقان العمل، وقد سبقنا الغرب في هذه الدراسات الاستشرافية والمستقبلية بصورة جعلته يستفيد من السنن، وإن لم يسندها إلى ربها ومجريها، لكن على عادة السنن أنها تعطي من يحسن التعامل معها دون تفريق بين مسلم وكافر، وتلك من خصائص السنن التي لا تتخلف، فرأينا الدراسات الرقمية والإحصائية التي تمهد لاتخاذ القرار الصحيح، وكثير من أعمالنا ارتجالي لحظي لا يمهد له بدراسة ولا يبنى على معرفة متينة ومعلومة قوية، وهذا ما جعل أعمالنا تخضع إلى حد كبير لمفاجئات القدر، مع أننا أولى الناس بالوعي بالسنن، فكل شيء في ديننا «بحسبان»، وبـ«تقدير العزيز العليم» عبادة ومعاملة، وفرائض وسنناً، وهناك تلازميات بين الفرائض والسنن ومواقعها في خريطة العمل الإسلامي. والناظر في منهجية القرآن الكريم يجد أنه عني بالنظرة المستقبلية حتى في العهد المكي الذي بدا فيه للناظر المتأمل معاناة المسلمين فيه، لكن القرآن الذي هو كلمة الله الخاتمة للبشرية يهيئ الأمة المسلمة لتكون رائدة ميدان وفارسة مضمار، فهو منذ البداية «يوجه أنظار المسلمين إلى الغد المأمول، والمستقبل المرتجى، ويبين لهم أن الفلك يتحرك، والعالم يتغير، والأحوال تتحول، فالمهزوم قد ينتصر، والمنتصر قد يهزم، والضعيف قد يقوى، والدوائر تدور، سواء أكان ذلك على المستوى المحلي أم العالمي، وعلى المسلمين أن يهيئوا ويرتبوا بيتهم لما يتمخض عنه الغد القريب أو البعيد»(5). والمتأمل لسورة «القمر» مثلاً ورصدها المركز لغزوة «بدر» يجد مدى عناية القرآن الكريم بالنظرة المستقبلية، وإرشادها المسلمين لما سيكون بعد سنين، فما بان معنى قوله تعالى: {سّيٍهًزّمٍ پًجّمًعٍ $ّيٍوّلٍَونّ پدٍَبٍرّ >45<}(القمر)، لعمر بن الخطاب وقت نزولها، وما فهمها إلا يوم «بدر» حين رأى رسول الله [ يثب في الدرع ويتلوها(6). والمتأمل لصدر سورة «الروم» في قوله تعالى: {الچـم« (1) غٍلٌبّتٌ پرٍَومٍ (2) فٌي أّدًنّى الأّرًضٌ $ّهٍم مٌَنً بّعًدٌ غّلّبٌهٌمً سّيّغًلٌبٍونّ (3) فٌي بٌضًعٌ سٌنٌينّ لٌلَّهٌ الأّمًرٍ مٌن قّبًلٍ $ّمٌنً بّعًدٍ $ّيّوًمّئٌذُ يّفًرّحٍ پًمٍؤًمٌنٍونّ (4) بٌنّصًرٌ پلَّهٌ يّنصٍرٍ مّن يّشّاءٍ $ّهٍوّ پًعّزٌيزٍ پرَّحٌيمٍ (5) $ّعًدّ پلَّهٌ لا يٍخًلٌفٍ پلَّهٍ $ّعًدّهٍ $ّلّكٌنَّ أّكًثّرّ پنَّاسٌ لا يّعًلّمٍونّ (6) يّعًلّمٍونّ ظّاهٌرْا مٌَنّ پًحّيّاةٌ پدٍَنًيّا $ّهٍمً عّنٌ الآخٌرّةٌ هٍمً غّافٌلٍونّ (7)}(الروم)، المتأمل لذلك يجد مدى حرص القرآن الكريم على توعية المسلمين بما يدور حولهم من أحداث، يترتب عليها كثير مما يخصهم، ويظهر منها أمران؛ الأول: مدى وعي المجموعة المسلمة - على قلتها وضعفها المادي - بأحداث العالم الكبرى، وصراع العمالقة من حولها، وأثره عليها إيجاباً وسلباً. الثاني: تسجيل القرآن لهذه الأحداث، وتوجيه النظر إلى عوامل التغير، والانتقال من الواقع إلى المتوقع في ضوء السنن(7).
---------------------------
الهوامش:
(1) المسلمون من التبعية والفتنة إلى القيادة والتمكين، د. عبد الحليم عويس، ص114، ط: مكتبة العبيكان، طبعة أولى 1427هـ/ 2006م.
(2) المرجع السابق، نقلاً عن المؤرخين المعاصرين لصلاح الدين الأيوبي، لنظير حسان سعداوي، ص31، 32.
(3) في ظلال القرآن: 1/444، 445.
(4) شروط النهضة، مالك بن نبي، ص47، ط. دار الفكر 1399هـ/ 1979م.
(5) أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة، د. يوسف القرضاوي، ص114.
(6) انظر: أسباب النزول للواحدي، سورة «القمر».
(7) أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة، ص115.


أ.د. رمضان خميس الغريب
الأستاذ المشارك بقسم الثقافة الإسلامية في جامعة حائل

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 562



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


أ.د. رمضان الغريب
 أ.د. رمضان الغريب

تقييم
2.92/10 (86 صوت)


Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

تركيب وتطوير : عبدالله المسمار