"حاصلة على ترخيص وزارة الثقافة والإعلام"
RSS Feed Twitter YouTube
سبق حائل | صحيفة إلكترونية???????

جديد الأخبار
جديد المقالات

مدار للسياحة

مجمع الأهلي

سلامات

الصفا

التميمي ميقا ماركت

آبار حائل

جمعية الملك عبدالعزيز الخيرية

القافلة للسفر والسياحة



25-12-1439 04:37 AM

الكرم الحاتمي

ادوار العرب في التاريخ مما يرفع الرؤوس ويوجب المباهاة ؛ امور تجلت في المعاملات والعادات وتعدت فائدتها وذكرها الى المجموع .. فالكرم من اخلاق العرب التي البستهم ثياب المجد والشرف ، وملكتهم ازمة المكارم فقد كانوا شعوبا وقبائل ، يتفاخرون بالاحساب والانساب ، وكان الجود اجل مفاخرهم ، وأبقى مآثرهم ، تنافسوا فيه فبلغواغايته وضربوا فيه بسهم راجح :

ضربوا بمدرجة الطريق بيوتهم يتقارعون على قرى الضيفان
ويكاد موقدهم يجود بنفسه حب القرى حطباً على النيران

.. ومن اجوادهم المساميح ، وابطالهم المغاوير ، وعظمائهم الامجاد ، وفتيانهم الأنجاد ، جواد العرب المضروب به في الجود المثل " حاتم بن عبدالله بن سعد الطائي " سار بذكره المثل فطبق السهل والجبل ، وتأرج شذى جوده فعطر الاندية وطار صيته في جو الجزيرة العربية فغار وأنجد ، وأتهم وأعرق ، ثم عرج على سائر الآفاق ، فترك الألسنة رطبة بالثناء عليه ، لاهجة بتعداد مآثره ، وسرد مكارمه ، وجعلت أنفس الكرام تترسم آثاره ، وتنسم اخباره ، فخلُدت سيرته وان تكن طوته الايام وصار رهن التراب والرجام :

ردت صنائعه عليه حياته فكأنه من نشرها منشور

نشأ حاتم الطائي في جبل طيء من جزيرة العرب بين الصخور والنجود فألف اقتحام الاخطار واصبح في الحرب بطلها المظفر واكتسب النخوة والإباء ، فكان اثبت من الطود قلبا ، وامضى من الصارم عزما واسمى من النجم نفسا وترعرع بين لُسْن مقاول تحت سماء جزيرة العرب الصافية وشمسها الوضاءة ونجومها الزاهرة ودرج فوق صحرائها الفسيحة ورمالها العفر فصفت قريحته ورقت في الشعر عبارة بيانه ، وقد شب بين قوم يشترون الحمد بالنوال وارضعته لبان الكرم أم كريمة ، سارت بجودها الركبان فلا عجب أن كان في القوم سيداً لا يبارى ، وفي المكرمات غيثاً مدرارا وصار السخاء له عادة لزمته في غناه وفقره ، وكم عنفه المعنفون ، ولجّ في لومه اللائمون فطوى عن كل ذلك كشحا وشرح بالحمد صدرا واتلف الطريف والتالد وادخر الثناء الخالد :

وقد علم الاقوام لو أن حاتما أراد ثراء المال كان له وفر

لقد كان يثري فما يبطره الغنى ، ويعسر فما يستذله الإملاق بل كان جنابه ممرعاً ، وربعه للعفاة مرتعا ، لا يغيره فقر ولا غنى ، يفيض على القوم من خيره ، ويرضيهم في غناه وفقره وما اكرم نفسه وأعفها .. وقد ينال منه الفقر ويعضه العدم بنابه ، ثم يلم به الضيف وقد بات اهله على الطوى واولاده من الجوع يثنون فينحر لضيفه راحلته احوج ما يكون اليها ولو امسك ، ما لامه في ذلك لائم ولكنها العادة ملكت نفسه ولم يجد عنها محيصا :

تعوّد بسط الكف حتى لو انه ثناها بقبض لم تطعه أنامله

وقد جمع الى شجاعته النادرة وسخاوة نفسه العالية كثيرا من الاخلاق الفاضلة ؛ فكان عفيفا ذا مروءة وحياء اذا أَسَرَ أطلق ، واذا عاهد وفى :

مكارم لجت في علو كأنها تحاول ثأرا عند بعض الكواكب

ولما ترعرع جعل يخرج طعامه فان وجد من يؤاكله اكل والا طرح الطعام فلما احس ابوه منه ذلك كلفه رعي الابل فكان يتفقد الناس فلا يجدهم وبينما هو ذات يوم يتفقدهم اقبل ثلاثة من حاملي لواء الشعر في الجاهلية يريدون " النعمان " فسالوه : هل من قرى ؟ فقال تسالوني عن القرى والابل امامكم فنزلوا ، ثم نحر لهم ثلاثا من كرام الابل فقالوا انما اردنا اللبن وكانت بكرة تكفينا فقال اني لاعرف ذلك ولكني رايت وجوها مختلفة والوانا متباينة فعلمت ان البلاد غير واحدة فاردت ان اكرم في اشخاصكم قبائلكم جميعا ، فامتدحوه فقال : لقد زاد فضلكم على ما قريتكم به فقد عاهدت الله ان اضرب عراقيب الابل او تقتسموها ففعلوا فنال كل واحد تسعة وتسعون بعيرا ولما علم ابوه بذلك عول على ان لا يساكنه فتركه وانصرف ولكن ذلك لم يثن حاتما عن الجود ، بل ازداد بعروة الكرم استمساكا ، وما أعز نفسه واسخاها ، واثبت عزيمته واقوى شكيمته ، اذ يقول وقد هجره ابوه :

واني لعف الفقر مشترك الغنى وتارك شكل لا يوافقه شكلي
وشكلي شكل لا يقوم لمثله من الناس الا كل نيقة مثلي
ولي مع بذل المال في الحرب صولة. اذا الحرب ابدت عن نواجذها العصل

وقد تزوج حاتم " ماوية بنت عفرز " وهي سيدة من اشرف بيوتات العرب فلما رات ما هو عليه من السرف فارقته فدعا ولده وهبط بطن واد ثم قدم ضيف على بيت ماوية يريدون حاتما فضاقت بهم ذرعاً واوفدت جاريتها الى حاتم فلما انتهت اليه واخبرته خبر ضيفه فرح واستبشر واتى بناقتين ونحرهما فأكلوا منهما فقالت " ماوية " : هذا الذي تركتك من اجله ، وستترك ولدك ولا مال لهم ولكن نفس حاتم المفطورة على السخاء لم يثنها عن المعروف لوم .. وفي ذلك يقول :

هل الدهر الا اليوم او امس او غد كذاك الزمان بيننا يتردد
اذا ما البخيل الخَبّ أخمد ناره اقول لمن يصلون ناري : اوقدوا
ومن عجيب ما يروى عنه انه خرج في الشهر الحرام في حاجة له فلما كان بارض " عنزة " استجار به اسير وناداه :
_ " يا ابا سفانة " اهلكني الاسار فقال : ويلك قد ظلمتني بتنويهك باسمي في غير بلاد قومي ، ثم اشتراه من بني عنزة واقام في القيد مكان الاسير حتى فدى نفسه فاطلقوه وتلك مكرمة يتضاءل عندها كل ثناء ، وحدثت ماوية قالت : كل امره عجب ، فقد اصابت الناس سنة فاهلكت الخُفَّ والظُلْف فادركنا الجوع ليلة فما زال يعلل ولديه " عديا ، وسفانة " حتى ناما ثم تناومت إشفاقا عليه وما بي من نعاس وبينما نحن كذلك اقبل شخص بباب الخباء فقال حاتم من هذا ؟ فاذا امرأة تقول : يا ابا سفانة اتيتك من عند صبية يتعاوون كالذئاب من الجوع فقال علي بهم فلأشبعنهم فقمت مسرعة وقلت له : بماذا يا حاتم ؟ وما نام ولداك الا بالتعليل ، فقال لاشبعنهم مع ولديك ثم قام الى فرسه وذبحها واضرم النار وايقظ ولديه واعطى المرأة شفرة وقال اشتوي وكلي وذهب الى بيوت الحي فنبه الناس فاقبلوا ياكلون وهو جالس ناحية متقنعا بردائه ينظر اليهم قرير العين بما اسداه من معروف ، وكان حاتم اذا اظلم الليل يقيم غلاما له يوقد النار باليفاع ليهتدي بها الضيوف ويقول له :

اوقد فان الليل ليل قُرٌّ والريح يا موقد. ريح صر
عسى يرى نارك من يمر.
ان جلبت ضيفا فانت حُرٌ

فاين من هذه النفس الكريمة نفوس تتوارى من الضيف فرقا وتنفر منه اشفاقا على متاع زائل وحطام بائد وحرصا على جمع المال وكنزه ثم تتركه اكداسا لوارث يذروه ذات اليمين وذات الشمال فلا تخلف الا المذمة والتعيير ،
.. ان الاقتصاد حسن مطلوب ولكن البخل والكزازة خلق مرذول فالعاقل من يجمع بين الاقتصاد والسخاء ، ويجعل في ماله حقا معلوما للسائل والمحروم .
وقد سرى الجود في عقب حاتم فكانت ابنته " سفانة " من اجود نساء العرب تهب للناس جميعا ما تصل اليه يدها ، ولا غرو فالولد سر ابيه وقد ذاع فضل حاتم حتى ملأ نبأُه اسماع العرب والعجم فتاقت النفوس الى معرفة احواله والوقوف على اخباره فقد ارسل قيصر الروم حاجبا من حُجْابه في طلب فرس لحاتم سمع انه يضن بها ويعزها ويبالغ في اكرامها وانما يبغي في ذلك سبر غوره ومعرفة مدى سخائه فلما دانى الحاجب ديار طيء ودخل على حاتم بالغ في الحفاوة به على غير علم بما جاء له ، ولما ابطأ الرعاة بالابل في المرعى قام فذبح لضيفه الفرس وقدم اليه الطعام ثم اعلمه الحاجب بانه رسول قيصر وانه يستميحه فرسه التي اشتهرت بالعتاقة بين الافراس ، فاغتم حاتم واخبره بما فعل ، فاكبر الحاجب فعله وقال : لقد رأينا منك اكثر مما سمعنا ، هذا قل من كثر مما يؤثر عن حاتم طيء وهو كاف في اظهار ما انطوت عليه نفسه من حب الخير والكلف بالمعروف والرغبة الصادقة في اصطناع المكارم ، والذين يدركون معنى الكرم ويستشعرون انسانية حاتم ، يعرفون ان هذا خلق لم يهدف به هادف او يوجهه موجه الا ما انبعث من روحه وانبثق من نفسه السخية ، وفاض من كيانه ، وهتف من داخله ( نقلته من التراث )
والعرب اكثر الامم قصورا في الاشادة بالمجد العظيم الذي خلفه لها عظماء رجالها في القيم الخلقية السامية والفكر والادب ، وما كان ذلك الا عن عدم احاطة بالتراث العربي العظيم .. انهم رجال قدموا واوجدوا للقيم تاريخا مشرفا يفخر به ، وحق علينا اعظامهم وترديد افضالهم في كل شارقة وبارقة ، فتلك جهود حاتم طيء التي تأصلت في التراث بين الامم ، وماله من سخاء ومآثر جديرة ان تتصل بما تبذل الدولة رعاها الله ، اليوم من خدمات جليلة في هذا السبيل لخدمة الوطن ومستقبله .. ولا يزال في النفس بقية قول اضيفه ،
والفضل للمتقدم اخي الكاتب / عبدالله العجلان الذي يشيد في تغريدة سابقة ، بما قدم حاتم من قيم سخاء يفخر بها الوطن ويعتز بها المواطن ، ويرى المجد في اطلاق تسمية ( ميدان حاتم الطائي ) على ميدان الساعة الجديد ، بمدخل مدينة حائل ، وهو شأن بين عارفة من صاحب السمو الملكي امير منطقة حائل ، وعزيمة منه تمضي الى المختصين لاعتماد ذلك ..
انه تذكير واشادة متواضعة بقيم من ارتبط اسمه بالجبلين عنوانا ، لمن شهر في شرق العالم وغربه فكان ذكره في آداب الامم الاخرى واندية القوم .

سعود مشعان مناحي الدخيل
حائل في 1439/12/24 هـ


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1461



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


سعود مشعان مناحي الدخيل
سعود مشعان مناحي الدخيل

تقييم
3.26/10 (26 صوت)


Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

تركيب وتطوير : عبدالله المسمار